|
زيارة لمستشفى الأمراض النفسية والعصبية تكشف: أن
المجانين ليسوا في نعيم!
الشاى والسجاير وزيارة الأهل اهم مطالب المرضى!
قطط وغربان تشارك المرضى في البحث عن الطعام بصناديق
القمامة
كتب: حسام عبد الحكم ـ عماد بسالى
اخترقت «الميدان» مستشفي الامراض النفسية «المجانين»
بالعباسية قمنا خلالها بزيارة عنابر المرضي وتفقد
ابنية المستشفي للحصول علي ملامح صورة شبه كاملة لما
يدور خلف جدرانها بعيدا عما نراه في افلام السينما
والاعمال الفنية التي غالبا ما اختزلت حياة هؤلاء
البشر في مجموعة من اللقطات الضاحكة والافيهات اللاذعة
وابتعدت كل البعد عن الغوص في جوهر حالتهم الحقيقية!
اقتربنا من الباب الرئىسي للمستشفي وطلب منا حارس
الامن تذكرة الدخول فأخبرناه علي الفور لزيارة مريض في
عنبر 24 كنا قد جهزنا اسمه مسبقا واجتزنا البوابة
بحوالي 500 متر حتي وصلنا الي عنابر المستشفي لنجد
بوابة اخري تشبه بوابات السجون يحرسها رجل امن
استوقفنا هو الآخر وسألنا نفس السؤال فكررنا الاجابة
وسمح لنا بالمرور.. وبعد اجتياز البوابة بخطوات يشوبها
الحذر لاسيما وانها المرة الأولى التي نزور فيها
المكان وكل ما لدينا من معلومات عنها لا يخرج عما
شاهدناه علي الشاشة الفضية وانطباعات اخري تكونت
بداخلنا منذ ان فكرنا في عملية الاختراق.
المهم عبرنا البوابتين بالحارسين لنشاهد احد المرضي
يأتي من بعيد حافي القدمين يرتدي ملابس رثه ويسير
بخطوات غير منتظمة.. اقترب منا ونظر الينا بخوف
فناديناه لنجده يبتسم ابتسامة عريضة ويسألنا «انتو
ظباط».. فقلنا له.. لا .. احنا جايين نزورك فقهقه بصوت
عال وقال «طب هات نص جنيه اجيب به شاي» فأعطيناه جنيها
فتقدم الينا وعانقنا وقبلنا واطمأنت اساريره وبدأ
يتحدث معنا حديث العقلاء حتي انصرف.
ومريض آخر افترش بقعة خضراء ووضع امامه طعاما من الجبن
والخبز وكيسا به ماء وجلس يتناول افطاره وهو يغني
ويتمايل راقصا ويدخل عليه زميل له طالبا «رغيف وحتة
جبنة» ورفض لان هذا اكله وحده.
وفجأة ظهر امامنا احد عمال النظافة واقترب منا وقال كل
سنة وانتم طيبين يا بهوات.. انتوا جايين لمين؟!
فقلنا له علي اسم احد المرضي فقال اعرفه.. واضاف
«اديني حاجة اشرب بيها شاى» واكد علينا انه يعرف
المريض الذي جئنا لزيارته جيدا وعلي علاقة قوية به
وانه يرعاه بعناية فأعطيناه خمسة جنيهات وانصرف
واكملنا المسيرة داخل المستشفي حتي وصلنا الي بوفيه
الشاي وهو مبني من دور واحد توجد امامه حديقة مهملة
بها بعض المقاعد الخشبية بعضها متهالك ويجلس عليها
مجموعة من المرضي في حالة صمت وكل منهم يسبح في
خياله.. والبوفيه محاط بسور من الحديد والسلك المتشابك
فدخلنا اليهم وجلسنا بجوار اثنين منهم، فتقدم نحونا
آخرون يطلبون نصف جنيه لشراء سجائر فأعطيناهم وبدأنا
محاولة الحديث معهما فطلبا منا نفس الطلب وكأنه ماركة
مسجلة نشتري كوبيتين شاي فطلبنا 4 اكواب وقال احدهم
اسمي عبد الوهاب وعامل بناء مقيم بالمستشفي منذ سنوات
طويلة وبدا لنا من ملامحه ان سنة تجاوز الخامسة
والأربعين واكد لنا ان شقيقه هو الذي اودعه في
المستشفي حتي يسهل له الحصول علي ميراثه ومنذ ذلك
الحين ولم يكلف نفسه بزيارته ولو مرة واحدة ثم سألنا
في فزع «هو انتو تبع بوليس النجدة فأكدنا له اننا لسنا
من البوليس فتركنا وانصرف غاضبا وهو يتمتم بكلمات
«البوليس جاى»، وهنا قمنا لكي ننصرف الي مكان آخر لنجد
احد الاشخاص يقف علي بوابة الحديقة ويمنعنا من الخروج
قائلا «انا عايز 50 قرشا عشان اشتري 3 سجاير» فقمنا
بإعطائه جنيها فإذا به يصرخ فينا قائلا «أنا قلت 50
قرش يا غجر عشان اجيب 3 سجاير» اتجهنا بعد ذلك الي
طريق متهالك تنتشر به بقايا وفضالات من القمامة علي
جانبه عنبر يحتوي علي عدد كبير من المرضي ينظرون من
خلف الشبابيك الحديدية يطلبون جميعا منا بعض السجائر
فاقتربنا منهم ووزعنا عليهم السجائر ونظرنا الي الداخل
لنجدهم يعيشون في مكان غير آدمى ومجموعة من الأسرة
المتسخة، وقال احدهم انا اسكندراني وبحب نانسي عجرم
واخذ يغني ويتمايل ويقلد نانسي عجرم في اغنية «آه ونص»
وقال انه سوف يخرج من هنا ويتزوجها ويعمل فرح كبير في
بحري، وقاطعه شاب آخر قائلا انا صديق محمد ابو تريكة
وكنا بنلعب الكرة سويا لكنه نجح وانا فشلت وجئت الي
هنا! ويتدخل آخر في الحديث قائلا: «أنا رسام ميه ميه»
ولو وقفتوا شوية ممكن ارسمكم بس تجيبوا لي سجاير وشاى»
وانصرفنا متجهين الي «عنبر 8 غرب» وهو خاص بالمتهمين
في جرائم القتل والسرقة والاغتصاب ويدعون انهم مختلون
عقليا فيتم حجزهم فيه تحت الملاحظة حتي يتم التأكد من
مدي سلامة قواهم العقلية وسألنا احد الحراس عن عدد
الموجودين به فقال انهم 25 فردا وان الزيارة ممنوعة
عنهم واتجهنا بعد ذلك الي عنبر «ذوي الاحتياجات الخاصة
لنجد شخصا يقف علي بوابته من الداخل يمسك بيده جنزيرا
حديديا واقتربنا منه فوجدنا المرضي يأتون خلف الباب
الحديدي ويتزاحمون ويطلبون منا بعض السجائر ثم توجهنا
الي مطبخ المستشفي وهو مبنى قديم يفتقد النظافة تحيط
به الكثير من القمامة التي تجمعت حولها مجموعة من
القطط والغربان تنتقي منها ما تشاء ثم ذهبنا الي مبني
العلاج من الادمان وهو مبنى يحتجز فيه المدمنون وهو
المبني الوحيد غير المجاني وجدنا امامه بعض الاسر التي
جاءت لزيارة احد مرضاها يجلسون معه ويتناولون الاطعمة
والمشروبات وهنا مر علينا عاملان يدفعان امامهما سريرا
متحركا فوقه شخص مغطي ببطانية ولما استفسرنا منهم عنه
قالوا إنها حالة وفاة وفي طريقها الي ثلاجة المستشفي
لتحتجز فيها حتي يأتي اقاربه ويتسلموه.
وانهينا الزيارة ونحن محملون بمشاعر متضاربة من
السعادة والآسى وخرجنا من عالم العقلاء لنعود الي عالم
المجانين!
ونخرج بعد الزيارة بانطباعات في غاية الأهمية ابرزها
الحالة المتردية لهؤلاء والتي لا تعبر بأي شئ عن
احترام ادمية المواطن فربما نكون زملاء فغالبا ما
يكونون ضحايا ونتاج فساد المجتمع وانحلاله وتفككه
والتراجع الشديد في الاخلاق والقيم والمبادئ وهم الذين
لم يتحملوا رؤية المجتمع يتهاوي بسبب فرط حساسيتهم
وقوة مشاعرهم حتي اصبحوا «مجانين» هكذا يطلق عليهم
العامة والخاصة معتقدين ان العيب فيهم وليس فينا!
|