|
153 تلميذاً فى الفصل بمدرسة سيدي كرير
والمدرسون ينتظرون الحصص بالطرقة على دكة
فى الوقت الذى ترصد فية الدولة الملايين من أجل بناء
مدارس تجريبية وأخرى مميزة ، خاصة وحكومية، مدارس
للغات واخري بالعربية ، بهدف الاستفادة من التنوع فى
التعليم لتطويره والنهوض به ، مازال هناك ما يؤكد أن
الحكومة تفعل هذا على الورق فقط ، وان ما تقوم بتأسيسه
ونشره من تنوع واختلاف ، يتوقف فقط عند المسميات,وان
هناك بعض المناطق تعيش البؤس كله ، سواء فى فرض رسوم
غير قانونية على التلاميذ ، أو من خلال الكثافة غير
المحتملة داخل الفصول. منذ سنوات كنا نسمع أن الكثافة
وصلت أكثر من 50 تلميذاً ، وأيامها قامت الدنيا ولم
تقعد،البعض طالب بالتوسع فى إنشاء المدارس ، البعض
الآخر نصح الأخذ بنظام الفترتين للحد من الكثافة
الحالية لحين القضاء على المشكلة ، واحدة صباحية وأخرى
مسائية ، والبعض الثالث أوصى بان تعمل المدارس على
ثلاث فترات بسبب كثرة التلاميذ وقلة الأماكن ، وبالفعل
تم وضع بعض الحلول المؤقتة ، ووعدت الحكومة بمعالجة
سريعة تحد من هذه الكثافة المرتفعة ، وطلبت منا الصبر
، لأن الحلول النهائية تحتاج سنوات وأموالاً ، تبنى
خلالها العديد من المدارس،ومع مرور السنوات سمعنا من
المسئولين أنه تم بالفعل القضاء على هذه المشكلة فى
معظم المحافظات،وان بعض المناطق فقط مازالت تعانى من
ارتفاع الكثافة فى الفصول لكن بشكل أقل بكثير ، حيث
وصلت في بعضها حوالي 40 و35 تلميذاً فى الفصل الواحد،
وأن الحكومة تعمل بشكل جاد للقضاء على هذه المشكلة من
جذورها ، ووعدت بان يصل عدد التلاميذ فى الفصل الواحد
حوالي 20 و 25 تلميذا ، حتى يستطيع المدرس توصيل
المعلومة إليهم جميعا ، ويتمكن من متابعة كل تلميذ فى
الفصل،لكن بعد هذه السنوات وبعد كل هذه التصريحات
البراقة والمشرقة ، يبدوا أننا نعيش فى عصر الكلمات ،
وان ما نسمعه مجرد تسميات ، ، فلن تصدق عندما نقول لك
إن فى بعض المناطق بإحدى المحافظات ، كثافة الفصل وصلت
إلى مائة تلميذ ، نعم وصلت إلى هذا الرقم وأكثر ، هذا
بخلاف المنقطعين عن الدراسة والمتغيبين ، هذا ليس
كلامنا أو مجرد ادعاء منا ، بل حقيقة وواقع أكدته لجنه
حكومية ، لجنة من مجلس محلى ، والمدينة التي تشهد هذه
الكارثة هي مدينة الإسكندرية ، قصة هذه الوقائع بدأت
عندما فكرت لجنة التعليم بمجلس محلى الإسكندرية ،
برئاسة سمير النيلى ، فى القيام بجولة على مدارس بعض
المناطق لمتابعة أولادنا وتفقد سير العملية التعليمية
، ركبوا الأتوبيس الخاص بالمجلس المحلى وتوجهوا إلى
منطقة سيدي كرير ، وهذه المنطقة للذين لا يعرفونها أو
لم يسمعوا عنها من قبل ، هي من المناطق السياحية ، إذا
فتحت صحف الحكومة أو المعارضة أو المستقلة صباحا ،
تصطدم عيناك بعشرات الإعلانات بعناوين احجز شقتك أو
شاليهك أو فيلتك ، فى الصف الأول أو صف ثان أو ثالث أو
رابع ، جميع الصفوف ترى البحر ، قرى ومنتجعات ، حمامات
سباحة ، ملاعب تنس وجولف ، سكيورتى ، شركات نظافة ،
مطاعم خمس نجوم ،الطريق المؤدى لسيدي كرير من الطريق
الصحراوي أو من منطقة العجمي ، تمرق عليه سيارات فارهة
، شيروكى ومرسيدس و بى ام ، وغيرها من السيارات
المستوردة ، بعضها يجر خلفه مركباً أو موتوسيكل بحر ،
متجهة إلى قرى سياحية يستجم بها أثرياء مصر والبلدان
العربية ، سيارة المجلس المحلى التي تسمع صوت موتورها
من أول الصحراوي ، والتي عبأ دخانها فضاء الحي ، توقفت
أمام مدرسة تحمل اسم المنطقة ، مدرسة سيدي كرير
الابتدائية ، هذه المدرسة تتبع إدارة برج العرب
التعليمية ، بعد كلمات الترحيب وواجب الضيافة ، اتجهت
اللجنة نحو الفصول تطمئن على التلاميذ والمدرسين .
... سترك يا رب .. كل دي عيال ؟ ، إيه انتم جمعتم
تلاميذ الفصول فى فصل واحد ؟ ، دول كم ولد وبنت ؟
ـ 96 حضرتك
ـ كم ؟
ـ 96
ـ ليه ؟
ـ مش فاهم حضرتك
ـ تلاميذ كم فصل ؟
ـ الفصل ده
ـ ده .. ده ؟
ـ آه !!
ـ يا نهار اسود 96 !!!
ـ آه غير اللي غايب
ـ كمان
ـ هو حضرتك مش معانا برضه فى إسكندرية
ـ بس ما شوفتش كده
ضحك ناظر المدرسة ، وقال لهم ده فصل الصف الأول
الابتدائي ، أمال لو شفتم سنة سادسة هتقولوا إيه ،
وأخذ اللجنة إلى فصل الصف السادس ، دق الباب ودخل ،
ودخلوا من بعده
ـ الله أكبر
ـ دول كام ؟
ـ العدد فى الليمون
ـ إنشاء الله 112
ـ فى فصل واحد
ـ نحمد ربنا
ـ ده غير اللي غايبين
ـ كمان
ـ آه وعددهم 41 تلميذ
ـ يعنى 112 + 41 يبقى 153 فى الفصل
ـ مش بقول لحضراتكم العدد فى الليمون
اللجنة بعد هذه الصدمة ، اكتشفت أيضا أن المدرسين بدون
حجرة تضمهم ، والذي ينتهي من حصته يجلس على دكة خشبية
فى طرقة المدرسة فى انتظار الحصة التالية ، اقتربوا
منهم..
ـ السلام عليكم
ـ السادة أعضاء لجنة التعليم بالمجلس المحلى
انفجروا فى الشكوى ، قالوا اقعدوا فى الطرقة وقعدنا ،
الفصل مائة عيل ودرسنا ، لكن يوقفوا البدلات ده بقى
كتير ، تخيلوا حضراتكم ، رغم ظروفنا هذه لم يصرفوا لنا
حتى الآن بدل التصحر وبدل الإقامة ، كلام ورغى وهات
ورد ومرارة ، اللجنة سجلت ما رأته وخرجوا استقلوا
الأتوبيس ، واتجهوا إلى مدارس العامرية ـ وهى فى مدخل
الإسكندرية الصحراوي ، تبعد حوالي 30 كيلو متراً عن
المدينة ـ ، تبين للجنة أن مدارسها تعانى من عجز كبير
فى المدرسين ، نعم فى المدرسين ، هذا فى الوقت الذي
تشهد فيه البلاد بطالة كبيرة بين خريجي الجامعات ،
سواء من كليات التربية أو دار العلوم أو كليات الآداب
، كما اتضح وجود نقص فى بعض الكتب المدرسية ، بالإضافة
إلى معاناة طلاب الثانوي فى الوصول إلى مدارسهم ،
وتحديدا الذين تم قبولهم بمدارس بعيدة عن منازلهم وفقا
للتنسيق ، مما ترتب عليه زيادة العبء المالي على
أولياء الأمور ، واستهلاك فترة زمنية من التلاميذ فى
المواصلات ذهابا وعودة ، وهم كانوا أحق بهذا الوقت فى
الراحة أو استذكار دروسهم ، ورصدت اللجنة قيام بعض
المدارس بتحصيل زيادة 10% سنويا على مصروفات الطلاب ،
دون الرجوع إلى مديرية التعليم ، ورفضها تسليم الكتب
للتلاميذ ، إلا بعد تسديد الايصالات بالمخالفة للوائح
والاشتراطات القانونية ، وأشار التقرير إلى مشكلة الزى
المدرسي ، وأسعار وسائل نقل التلاميذ التى تفرضها
المدارس على اولياء الأمور ، حيث تقوم المدارس
بالتعامل مع اصحاب مصانع ومحلات بمعرفتها لتوريد الزى
المدرسي ، وتجبر أولياء الأمور على الشراء منه ،
بأسعار مرتفعة الثمن عن مثيلتها بالأسواق ، كما يفرضون
أيضا على أولياء الأمور ، دفع رسوم وسائل نقل التلاميذ
باسعار مغالى فيها ، بعد أن انتهت اللجنة من جولتها
عادت إلى المجلس المحلى ، وحررت التقرير ، وفى نهايته
أسفت جدا لما شاهدته فى هذه الجولة ، وأوصت بتدخل
المحافظة والحكومة بشكل سريع لإنقاذ مدرسة سيدي كرير ،
والعمل على الحد من هذه الكثافة الخطيرة فى الفصول ،
وتوفير حجرة تليق بالمدرسين ، ومخاطبة الإدارة
التعليمية على سرعة صرف بدل التصحر وبدل الإقامة
لهؤلاء التعساء الذين يدرسون لمائة تلميذ فى الفصل
الواحد ، ويجلسون فى الطل بدون حماية من البرد أو
المطر أو حرارة الشمس ، أو العواصف والأتربة ، وفى
نهاية التقرير طالبت المدارس بوضع وصف تفصيلي موحد
للزى المدرسى فى ابسط صورة على مستوى مدارس محافظة
الإسكندرية ، وعدم تغيير هذا الزى قبل ثلاث سنوات ،
والتنبيه على أصحاب المدارس التي تمتلك وسائل نقل ،
بعدم المغالاة فى فرض رسوم مرتفعة على التلاميذ .
واختتموا التقرير بالقول : ارحموا الناس يرحمكم من فى
السماء.
|