|
القاتل الندل
منال عبدالعال
عندما صدر الحكم النهائي بإعدامه اهتزت القاعة بأصوات
زغاريد أقارب المجني عليهم أما هو فلم ينهار عند سماعه
الحكم ولكنه أطرق برأسه في الأرض فهو في داخله يعلم
جيداً أنه يستحق أن ينفذ فيه حكم الإعدام ليس لمرة
واحدة ولكن ثلاث مرات بعدد من قتلهم «سيدة في الثلاثين
وطفلاها الصغيران». جريمة بشعة ارتكبها بلا مبرر.
كانت هذه اعترافاته عندما ألقي القبض عليه.. قال إنه
منذ عامين تقدم لخطبة إحدي الفتيات.. تمت الخطبة ومر
عامان ووجد نفسه غير قادر علي الوفاء بما تعهد به أمام
أسرة خطيبته فعمله كمبيض محارة لم يكن يدر عليه
الأموال الكافية لأن يخطب ويتزوج في عامين فقط كما
تعهد لأسرة خطيبته.. وبدأ التفكير في مصدر آخر ليزيد
من دخله أو حتي محاولة لمد فترة الخطوبة تملك الشيطان
من عقله وقلبه ورسم له خطة لسرقة تلك الأسرة التي يجري
عندها بعض أعمال الطلاء.. تلك الأسرة الكائنة بمنطقة
سيدي بشر في الإسكندرية.. أسرة صغيرة مكونة من زوج
وزوجة وطفلين مر علي زواجهما حوالي ثمانية أعوام. وشعر
الزوج أن الشقة في حاجة إلي إعادة طلاء وأوقعه حظه
العاثر في هذا الشاب واتفق معه علي إعادة طلاء الشقة
واشترط عليه الزوج أن يبدأ عمله يومياً بعد الساعة
الرابعة حتي يكون قد عاد من عمله في الشركة الخاصة
التي يعمل بها وعندما شاهد المصوغات الذهبية التي
تتحلي بها الزوجة قرر أن ينهي عمله في طلاء الشقة علي
أن تكون له مهمة أخري بعد ذلك وبالفعل أنهي عمله علي
أحسن وجه وأحسنوا هم ضيافته وحصل علي المبلغ المتفق
عليه.
وبعد عدة أيام انتظر حتي غادر الزوج المسكن وبعد فترة
قصيرة صعد إلي الشقة دق جرس الباب وعندما فتحت له
الزوجة أخبرها انه ترك عندهم جردل الطلاء وإنه بحاجة
إليه لأنه يقوم بعمل دهانات في عمارة مجاورة لهم ودخلت
الزوجة إلي المطبخ لإحضاره له وعلي الفور دخل هو خلفها
وبسرعة كتم أنفاسها وطعنها طعنات قاتلة واستيقظ طفلها
الذي لم يتعد السابعة من عمره عندما شعر بحركة غريبة
وبمجرد خروجه من حجرته سارع بكتم أنفاسه هو الآخر
وطعنه ولتكتمل المأساة خرج الطفل الثاني الذي لا
يتجاوز الرابعة من عمره لينطق ببراءة شديدة فيه إيه يا
عمو هاني نعم فالطفل يعرفه جيداً وكثيراً ما كان
يداعبه وهو يقوم بطلاء شقتهم وبمجرد سماعه للطفل وهو
ينطق اسمه حتي انقض عليه هو الآخر كتم أنفاسه حتي
الموت واستولي علي الحلي الذهبية التي كانت تتحلي بها
الزوجة وكانت مجرد سلسلة وقرط وخاتم وغويشتين بعدها
أخذ يفتش في كل أرجاء المنزل ولكنه لم يعثر علي أي
مبالغ مالية فقط المشغولات الذهبية البسيطة. غادر
المسكن وعاد الزوج للمسكن لتصدمه المفاجأة ويتم إبلاغ
الشرطة وفي خلال أيام قليلة تم القبض عليه حتي قبل أن
يتمكن من بيع المشغولات الذهبية.. كانت هذه هي
اعترافاته بالحقيقة كاملة ولكن أسرته رغم فقرها إلا
أنهم تمكنوا من توكيل محام من أكبر المحامين للذهاب
معه محاولين إنقاذ رقبته من حبل المشنقة وبعد جلوسه مع
محاميه بدأ يغير من أقواله في البداية عن طريق القاعدة
المتبعة بين عدد كبير من المحامين في حالة مقتل فتاة
أو سيدة وهي النيل من سمعة الفتاة أو السيدة المسكينة
لتخفيف الحكم علي الجاني لتأتي أقوال الشهود والتحريات
وتقرير الطب الشرعي ليؤكد براءتها من أي أقوال فهناك
طرق تحليلية حديثة يتم من خلالها إثبات أو نفي أي
ادعاء علي أي سيدة أو فتاة ويحاول محاميه للمرة
الثانية فيؤكد لهيئة المحكمة أن المتهم مختل عقلياً
وغير مسئول عن تصرفاته ويطالبه بأن يهزي ببعض الكلمات
في قاعة المحكمة ويأتي التقرير الثاني ليثبت سلامة
قواه العقلية ومسئوليته الكاملة عن أفعاله ويصدر في
النهاية الحكم بإحالة أوراقه إلي المفتي.
وأثناء قيام العميد ناجي عبداللطيف رئيس حرس محكمة
الإسكندرية باقتياده إلي سيارة الترحيلات يشاهده
والدموع تتساقط من عينيه.. إنها دموع شاب في الخامسة
والعشرين سلم رقبته بنفسه إلي عشماوي.
|