|
مصر لم تشهد استفتاء أو انتخابات نزيهة منذ بداية
الثورة فى 1952
فى الحديث الذى اجرته معى قناة «العالم» فى برنامج «من
القاهرة» الذى يقدمه الاستاذ احمد السويفي وتدخل فيه
عن طريق الهاتف الاستاذ الدكتور عبدالمنعم سعيد رئيس
المركز الاستراتيجي بالاهرام والذى كان موضوعه «الازمة
بين الحكومة والقضاء» والذى قالت فيه ان سر الازمة
الراهنة هو قيام القضاة بكشف عورة الحكومة فى تزييف
ارادة الشعب وغضب الحكومة من ذلك وعقب الدكتور
عبدالمنعم سعيد على ذلك بالقول بأنه لا ينكر وقوع بعض
وقائع التزوير ولكن ما يعيبه على القضاة هو التعميم
بالقول بأن الانتخابات كلها قد زورت في حين ان ذلك غير
صحيح لان الحزب الوطنى حصل فيها على نسبة لا تزيد على
32% ولذلك فهو يعترض على تعميم الحكم حتي لا يختلط
حديث القضاة عنها بحديث المعارضة والحقيقة اننى بعد ان
شاهدت البرنامج احسست ان ردى على اعتراض الدكتور
عبدالمنعم سعيد لم يكن كافيا نظرا لضيق وقت البرنامج
قرأيت ان اكتب هذا المقال لكى اوضح بعض ما لم استطع
توضيحه فى البرنامج لعلمى بثقل شخصية الدكتور
عبدالمنعم ووزنها وتأثيرها على الرأى العالم فيما
نتناوله من امور تهم الشعب.
بداية احب ان اقول انى اؤمن ايمانا كاملا بأنه لا تقدم
ولا رقى لأى مجتمع الا فى ظل الديمقراطية الحقيقية
وانه لا يمكن ان تكون هناك ديمقراطية فى ظل تزييف
ارادة الشعب فى اختيار حكامه ونوابه وانه ما لم نقض
تماما على هذا الداء اللعين الذى اصبح يلازمنا منذ زمن
بعيد فلا امل فى رقى ولا تقدم وانه لا يليق بنا كشعب
فيه من الكفاءات والعقول المفكرة والعلماء هذا العدد
الضخم ممن يسهم فى تقدم العالم كله ويقال انه لم ينضج
وانه غير جدير بالديمقراطية اذا اتفقنا على ذلك سهل
الحديث عما يحدث فى الانتخابات والاستفتاءات فى مصر
وما جناه ذلك عليها من تأخر عن اقرانها من الدول التى
بدأت مرحلة التغيير فى تاريخ معاصر لها وما تشهده هذه
الدول من نمو يكاد يزعج كبرى الدول الاقتصادية حالة ان
مصر مازالت تحبو وتعيش على المساعدات التى تتلقاها من
هذه الدول والتى تؤثر بلا شك على ارادتها في اتخاذ
قرارها.
بالنسبة للاستفتاءات فلا اعتقد ان الدكتور عبدالمنعم
سعيد يختلف معى في انه لم يحدث منذ بداية الثورة سنة
1952 وحتى الان ان اجرى استفتاء نزيه سواء على رئاسة
الجمهورية أو على الدستور أو اى امر اخر استفتى فيه
الشعب على امر من الامور وحتى الاستفتاء الاخير ما حدث
فيه كان مهزلة بكل المقاييس حسبما شهد بذلك العديد من
رؤساء اللجان الفرعية الذين سمعناهم فى نادي القضاة
وسمعت انا شخصيا العديد منهم وسمع الشعب كله ويعلم هذه
الحقيقة المرة، وهذا امر طبيعى ان تزيف ارادة الشعب
لانه ليس معقولا ولا مقبولا ان يستفتى الشعب على تضييق
حريته وحرمانه من ابسط حقوقه الطبيعية فى ان يحاكم
امام قاضيه الطبيعى ثم يقول نعم وطبعا صديق الدكتور
عبدالمنعم لا يستطيع ان ينكر مهزلة الثلاث تسعات 9،99%
التى ابتلانا بها الله منذ اكثر من خمسين عاما والتى
لم نتخلص منها الا قريبا بعد ان صرنا اضحوكة العالم
والدكتور بحكم موقعه اعلم بذلك اكثر منى.
هذا بالنسبة للاستفتاء اما النسبة للانتخابات وهى
النقطة التى كانت موضع خلاف بينى وبين الدكتور
عبدالمنعم سعيد فى البرنامج فما احب قوله ان نجاح
الحزب الوطنى فى الانتخابات التشريعية الماضية بنسبة
32% فقط لا يعنى ان الانتخابات لم تزور وان ما حدث فيه
كان تجاوزات لا تنال من سلامتها بصفة عامة لان الحقيقة
والواقع الذى عشناه ونعيشه ويعيشه الشعب جميعا ولا
يمكن غض الطرف عنه يقول غير ذلك وهو ان التزوير كان
ظاهرة عامة فيها تنال من سلامتها وان التزوير فى مصر
ارادة سياسية تأمر به وتقوم به الحكومة مدعومة من اعلى
سلطة فى الدولة وتصرفات من يقوم بالتزوير وعدم محاسبة
المزورين والحرص على مكافأتهم تقول ذلك واليك ياسيدى
تفصيل ما أقول وهو ما لم يسمح به وقت البرنامج.
كانت المادة 76 من الدستور قبل تعديلها تجعل ترشيح
رئيس الجمهورية منوط بموافقة ثلثي اعضاء المجلس قبل
عرض امره على الاستفتاء، ومن هنا كان حرص الحزب الوطنى
الحاكم الذى ينتمى اليه رئيس الجمهورية على الاحتفاظ
بهذه النسبة وزيادتها حتى يضمن الموافقة على الترشيح
واصبح الحزب وحكومته تحرص على ذلك مهما كلفها الامر من
جهد وعناء فى تزييف ارادة الشعب وظل هذا الحال الى
الان لان عدم توافر هذه النسبة العالية من النواب
معناه معاناة الحكومة وامكان عرقلة بعض مشروعاتها التى
تريد تمريرها حتى وان كانت فى غير مصلحة الشعب وامكان
تعرض رجالها للمؤاخذة عند ارتكاب اى خطأ وهى فى سبيل
ذلك ترشح العديد من الاشخاص ممن يسمح لها بالحصول على
هذه النسبة فإذا لم تتمكن من الحصول على هذا العدد
لديها استعانت بأشخاص من الخارج اذا رأت انهم اكثر
قبولا من رجالها وهى لا تتدخل فى الدوائر التى بها
مرشحوها فقط لانها تعلم انه لا يوجد منافس لهم ولا فى
الدوائر التى بها مرشحون سمحت لهم بدخول الانتخابات
على وعد منهم بالانضمام أو المناصرة وهم من كانوا
يسمون انفسهم مستقلين على مبادىء الحزب الوطنى وهى
تسمية غريبا لا مجال للحديث عنها الان، تبقى بعض
الدوائر التى بها معارضون لسياسة الحزب الوطنى وحكومته
وهى موطن الخطر والقلق فإذا كان العدد فى حدود ما تسمح
به المساحة الخاصة بتزيين المجلس فلا خطر ويسمح بذلك
اما اذا تجاوز العدد ذلك واصبح يمثل خطرا على نسبة
الثلثين التى يحرص الحزب وحكومته على توافرها فهنا
يكون التدخل السافر لمنع ذلك وهو ما كنا دائما نشاهده
فى هذه الانتخابات سواء فى صورة تدخل من داخل اللجان
قبل اشراف القضاة على اللجان الفرعية أو من خارج
اللجان بعد هذا الاشراف على ضوء ذلك يصبح من الظلم
القول بأن الانتخابات جميعا زورت كما انه يصبح صحيحا
ايضا القول بأن الانتخابات زورت لان التزوير كان
مقصودا به حرمان المعارضة من تخطى النسبة المسموح بها
ولو انه لم يتم التزوير لتخطت المعارضة هذه النسبة بلا
شك ولما امكن للحزب ان ينفرد بالمجلس كما هو حادث الان
وتخرج منه هذه الطامة الكبرى من القوانين سيئة السمعة
والتى اصابت الناس بالاحباط هل بعد ذلك تعيب علينا
ياسيادة الدكتور ان نقول ان الانتخابات قد زورت وهل
يمكن ان يعم التزوير حتى يمنع المعارضة تماما من دخول
المجلس؟ ان هذا ياأخى ليس فى مصلحة الحكومة وحزبها لان
الكعكة ستفقد كثيرا من زينتها وبهجتها وتصبح اكثر عرضة
للسخرية مما هى عليه الان.
لعلى بذلك اكون قد رددت على اعتراض الدكتور عبدالمنعم
سعيد على ما يقوله القضاة من ان الانتخابات جرى
تزويرها وانهم لا يتحدثون كما تتحدث المعارضة لانهم
يتحدثون من واقع يلمسونه وحقيقة يشاهدونها وهم شهود
عليها، تاب الله على مصر من هذا الداء اللعين الذى يحط
من شأنها امام العالم الحر الذى يقدس ارادة الشعوب.
القاضى محمود رضا الخضيرى
نائب رئيس محكمة النقض ورئيس نادى القضاة بالاسكندرية
www.khodiry.com |