|
دولة المرشد
يعتبر مهدي عاكف
-79 عاما - المولود فى عام 1928 -وهو العام الذي
تأسست فيه جماعة الإخوان المسلمين- من اكثر القيادات
الإخوانية التي اثارت جدلاً حولها فهو المرشد الذي قيل
في بداية عهده انه ينوي ان يفتح آفاقاً جديدة للإخوان
للانفتاح على العالم، وظهر هذا جلياً في الحوارات
الصحفية الواسعة والمكثفة التي يجريها مع اجهزة
الإعلام.
غير ان العديد من
تصريحاته اثارت جدلاً واسعاً منها تصريحه الذي قال فيه
«طز في مصر واللي في مصر» ...وتصريحه الآخر بأن محبي
الإخوان سيضربون معارضي الإخوان بالجزمة ، وكذلك
تصريحه "يا ريت مسلمي ماليزيا يحكمونا"، وفي 3 أغسطس
2006 صرح مهدي عاكف لوكالة الأنباء الفرنسية تصريحا
أكد فيه أنه "مستعد لارسال عشرة آلاف مجاهد في الوقت
الحالي إلى لبنان للقتال الى جانب حزب الله" ضد
العدوان الذي يشنه الكيان الصهيوني على لبنان، وقد
أثارت هذه التصريحات مخاوف الكثيرين من وجود جناح
عسكري لجماعة الإخوان المسلمين وأعاد البعض التذكير
بالجهاز الخاص لجماعة الإخوان المسلمين الذي كان يتولى
عمليات الاغتيال والقتل. وفي المؤتمر الجماهيري الذي
عقدته نقابة المحامين لدعم المقاومة الفلسطينية وتأييد
حزب الله في 19 أغسطس 2006 فجر "المرشد" العام للإخوان
المسلمين قنبلة أخرى عند حديثه عن الحكام العرب قائلا
"لولا إنهم موحدون بالله لقتلناهم..لأن خطرهم أشد وطأة
من خطر اليهود أنفسهم"، وهو ما اشعر الكثيرين من ابناء
الجماعة بخيبة امل تجاه مرشد كانوا يبنون عليه الكثير
من الآمال .
تم اختيار محمد
مهدى عاكف مرشدا سابعا للجماعة، ومعه اثنان من النواب
القريبين من جيل الوسط، هما رجل الأعمال خيرت الشاطر،
والأستاذ الجامعى محمد حبيب، انضم عاكف لشعبة الإخوان
بالسكاكيني حيث كانت عبارة عن "نادٍ رياضي ومسجد" وقال
إنه: «ارتوى منها الثقافة والرياضة ومارس أيضًا
العبادة فيها».
وذكر عاكف أنه
مارس نشاطًا طلابيًّا وتربويًّا ضخمًا في شعبة الإخوان
حيث التحق بالإخوان وعمره 12 عامًا، وقتها كان يحضر
دروس الإمام البنا.
في عام 1950م
تخرج في كلية التربية الرياضية ، التي أشار الإمام
البنا عليه الدراسة فيها، وحول هوايته فهو يحب القراءة
لــ محب الدين الخطيب وسيد قطب ومحمود محمد شاكر وسيد
سابق والمازني.
وقد اعتقل عام 48
في سجن جبل الطور الذي كان بمثابة معسكر تربوي
للإخوان، وكان به ما يقارب الثلاثة آلاف معتقل
وأربعمائة طالب، بعدها تولي شأن معسكرات التدريب
بالجامعة لمحاربة الإنجليز ثم أصبح عضوًا بقسم الطلاب
ومسئولاً بعدها عن قسم جديد بالمركز العام يسمي قسم
التربية الرياضية، وفي يناير عام 1954م دخل السجن،
وحكم عليه بالأشغال الشاقة المؤبدة تخفيفًا من عقوبة
الإعدام وقتها وحبس عشرين عامًا كاملة بتهمة تهريب عبد
المنعم عبد الرؤوف عضو مجلس قيادة الثورة وكان يتصدر
اسمه الصحف الرئيسية (الحكم بإعدام خمسة من زعماء
الجهاز الخاص للاخوان عبد الله الريس ومهدى عاكف وعبد
المعطى وعلى نويتو وحجاج )، ومن عام 1977 إلى عام 1984
عمل مستشارًا لدار الندوة العالمية في الرياض وجدة، ثم
عمل مديرًا عامًا للمركز الإسلامي بميونيخ وعضوًا
بمجلس الشعب المصري عام 1987م، وعضوًا بمكتب الإرشاد
في نفس العام.
واعتقل وقدم
للمحاكمة العسكرية عام 1996 بتهمة مسئوليته عن التنظيم
العالمى للإخوان المسلمين وحكم عليه بثلاث سنوات ليخرج
من السجن عام 1999 . وفى عام 2004 أصبح مرشداً بحصوله
على تسعة اصوات من خمسة عشر هى اصوات اعضاء مكتب
الارشاد.
ويمكن اعتبار
مهدى عاكف ـ 76 عاما ـ معبرا عن الجيل القديم، ولكنه
أكثر من ينتمى إلى هذا الجيل انفتاحا على مقولات جيل
الوسط، وأعلن قبوله بعضوية قبطية داخل الجماعة
واستعداده للتحالف مع الناصريين والشيوعيين إذا استدعى
الأمر .
ويمكن القول إن
المرشد الجديد هو ابن العقل القديم ، ولكنه يمثل
الصورة الأكثر انفتاحا على العقل الجديد ، وهو يعبر عن
التربية الصارمة للتنظيم الخاص الذى كان من ضمن أعضائه
فى الأربعينيات، وهو أحد أبرز مؤسسى التنظيم الدولى،
كما يمكن اعتباره أيضا وعن جدارة المرشد الأكثر تسييسا
فى تاريخ الجماعة بعد مؤسسها الراحل الشيخ حسن البنا.
وفيما يخُـص
مسألة الدولة، يتمثل الاعتراض الرئيسي على جماعة
الإخوان المسلمين في أنها لا تطرَح نفسها كمُـجرد بديل
للحزب الحاكم القائم أو حتى للنظام السياسي الحالي،
وإنما كبديل للدولة القائمة، أي الدولة المدنية
المصرية التي تشكّـلت أسُـسها منذ عهد محمد علي في
بداية القرن التاسع عشر. فالإخوان المسلمون يرغبون في
إقامة دولة دينية (أو ذات مرجعية دينية) كفيلة بقلب
الأمور رأسا على عقب في كل شيء، ابتداءً من نمَـط
الحياة إلى السياسة الخارجية، حيث يُخشى أن تكون هناك
«مصر» أخرى، إذا وصل الإخوان المسلمون إلى الحكم.
لم تكن كل تلك
التوجّـسات بدون أساس فيما يتعلّـق بفكرة الدولة
تحديدا. فبعيدا عن البرامج السياسية والانتخابية
المُـعلنة للجماعة والممارسات العملية لكوادرها في
الجامعات والنقابات والبرلمان وغيرها، كانت الصّـدمة
الأولى هي تلك التصريحات المُـثيرة عن المُـرشد العام
للجماعة مهدي عاكف، التي قال فيها "طز في مصر، واللي
في مصر ..."، وأعرب فيها عن عدم ممانعته في أن يتولّـى
حكم مصر أحد الماليزيين مثلا، والتي كان مدلولها
معروفا، بأن الجماعة لا تفكر في مصر كدولة لها حدودها
وخصوصيتها، وإنما ولاية (ربما) ضمن كيان إسلامي أوسع،
وهو ما مسّ مباشرة عقيدة الدولة.
ولقد أشارت بعض
الصُّـحف إلى أن الإخوان قد بدأوا في تأسيس "دولتهم
البديلة" عبر كيانات مُـوازية للمؤسسات الرسمية
والنقابية، وتمّ شنّ هجوم حادّ ضد الجماعة من جانب
تيارات سياسية وتنظيمات مجتمع مدني مختلفة، لم
تقتَـصِـر على المؤسسة الرسمية، باتِّـهامهم بأنهم
يسعَـون إلى إقامة "دولة داخل دولة" أوعلى الأقل
"مجتمع داخل المجتمع" من خلال الدّفع في اتجاه "أسلمة"
كل مظاهر الحياة في مصر، وأن ذلك يمثل توجّـهات جديدة،
تشير إلى نوايا غير مقبولة، تتعلّـق بمسألة تتجاوز
السياسة إلى الاستراتيجية، أي الدولة.
علاقة الإخوان
المسلمين بالإدارة الأمريكية لم تعد سراً بالرغم من
النفي المسبق والدائم من قبل قادة الإخوان إلا أن
استئناف الحوار بين الإدارة الأمريكية الحالية وجماعة
الإخوان المسلمين في مصر قد تأكد من أكثر من مصدر
وبشكل علني .
ليس هذا فقط بل
إن خافيير سولانا رئيس المفوضية السياسية في الاتحاد
الأوروبي أعلن بوضوح أن هناك اتجاها قويا يدفع لإجراء
حوار واسع مع الجماعات الدينية المعتدلة في العالم
العربي خاصة حركة الإخوان المسلمين ".
ولعل ذلك يفسر
تكثيف الحضور الإخواني في الشارع هذه الأيام والمزايدة
على عمر وأرواح شباب مصري مخدوع بشعاراتهم الرنانة
لتحقيق مصالح سياسية لتُظِهرَ الجماعة أن نظام الحكم
في مصر جائر وظالم لفتح شهية الأمريكان للتدخل في شئون
الوطن لتتحول مصر إلى عراق أو أفغانستان جديد أو تعود
إلى عهد الوصاية البريطانية على مصر ولكن هذه المرة
الوصاية الأمريكية على مصر.
والتعاون بين
الإخوان المسلمين والغرب أقدم بكثير مما يتصور البعض ،
خاصة هذا الجيل الجديد من شباب الجماعة، فمنذ نشأة
الحركة في أواخر العشرينيات من القرن الماضي وحتى
اليوم كانوا يدخلون دائما مع قوى غربية أوروبية
وأمريكية .
يقول أحمد
التلاتى باحث ومحلل سياسى : كانت فكرة "الدولة
الإسلامية" واحدةً من أهم الأفكار التي شغلت حسن البنا
مؤسس جماعة الإخوان المسلمين ، على اعتبار أنَّ
المشروع السياسي والحضاري الإسلامي الذي نادَت به
دعوةُ الإخوان المسلمين التي أسسها الإمام البنا
اعتمدت على مجموعة من الآليات السياسية والتربوية
والإعلامية للوصول إلى الغاية النهائية للمشروع
الإخواني، وهي الوحدة الإسلامية، واستعادة مجد الأمة
وعزّها القديم، ومكانتها الحضارية والسياسية في
العالم.
وقد وضع الإمام
"الدولة الإسلامية" على رأسِ أجندةِ عمله السياسي
والدعوي خلال المراحل الأولى من عمر الدعوة؛ باعتبار
أنَّ تأصيل قيم المشروع الإسلامي بمختلف مستوياتها-
الاجتماعية والسياسية والفكرية والثقافية
والاقتصادية.. إلخ- لا بد لها من "حاضنة" قوية لكي
تقيم الحكم بما أنزل الله سبحانه وتعالى، وتُحَقِّق
حاكمية الشريعة الإسلامية في الأرض.
وفي هذا الإطار
عمد إلى التأكيد أولاً على شمولية الإسلام، وبالتالي
ربطه بالعمل السياسي كجزءٍ لا يتجزَّأ أولاً من الدين
الحنيف (والحنيف هو ما حاد عن السوء والتزم الطريق
القويم السليم) وثانيًا من المشروع السياسي والدعوي
للإخوان المسلمين، وبالتالي وضْع مشروع الدولة
الإسلامية على قائمة أولويات الإصلاح في رسالة ومنهج
عمل الإخوان.
وفي هذا الإطار
انشغل في كثير من أدبياته بالحديث عن قضية الدولة
والسياسة في الإسلام، مع محاولة نزع الشوائب الموجودة
في الفهم والعمل السياسيَّيْن في العصر الحديث، من
تدليس وغش وتحالفات شيطانية مكَّنت الأجنبي في مصر من
البقاء لعقود طويلة بالتحالف مع حكمٍ ملكيٍّ فاسدٍ، مع
تقديم نموذج مخالِف لما يمكن أن نسميَه بـ"العمل
السياسي الأخلاقي" أو"أخلاقيات العمل السياسي" بعيدًا
عن الحزبية والطائفية.
وبهذا النموذج
الأخلاقي للسياسة سعى المرشد المؤسس إلى تأسيس النموذج
الأخلاقي والمثالي للدولة، من جهة تركيبها ووظائفها
ومهامها ومهام أجهزتها وسلطاتها المختلفة، وكذلك كيفية
تعاملها مع مجموعة من القضايا الإشكالية التي لم ينجح
عبْر التاريخ في التعامل معها سوى الحكم الإسلامي،
وفشلت الأنظمةُ الأخرى العلمانية والدينية في أوروبا
وغيرها خارج ديار الإسلام في تقديم الحلول الناجحة
لها، مثل كيفية التعامل مع الأقليات الدينية والعرقية
في الدولة الإسلامية، وقضية المواطنة، وقضايا أخرى مثل
صلاحيات واستقلالية السلطات المختلفة داخل الدولة،
واستلهم البنا في هذا الإطار العديد من النماذج التي
حفل بها التاريخ الإسلامي، من تراث عصر النبوة وعصور
الخلافات الراشدة الأربعة، وغيرها من النماذج التي
صنعت المجدَ الإسلامي القديم، بالإضافة إلى الصبغة
الحديثة التي صبغ بها البنا مشروعَه من خلال مستجدات
الواقع الإسلامي ومتطلباته، بما لا يتعارض مع الأصول. |