|
كيف تنمو الصين داخل مصر؟
كتب: د.جهاد عودة
تعتبر العلاقات المصرية الصينية من اكثر العلاقات نموا
خلال السنوات الاخيرة. لهذا فالصين لها استراتجيتان:
أولاهما استراتيجية تأهيل البيئة الصينية لتكون
مستقبلة للاستثمار الاجنبى المباشر وثانيهما بناء
علاقات سياسية بين الصين والدول الاخرى من اجل تحسين
وضعية الاستثمار الصينى فى هذين البلدين. نحن هنا
نتحدث عن الاستراتجية الثانية. حتى تعتبر الصين مسألة
الاستثمار الخارجى مسألة مرتبطة باستراتيجيتها
الكونية. ولكن من الغريب ان مصر تتبع فى صياغة
اتفاقياتها مع الصين نمطا لم تتبعه مع الدول الاوروبية
والامريكية الا وهو نمط الاستثمار المشترك. على اية
حال فطبقا للأرقام الصادرة عن السفارة الصينية في مصر،
فإن حجم التجارة بين البلدين وصل إلى 3.2 مليار دولار
في 2006، بزيادة 48.8 في المائة مقارنة بعام 2005
ولكن عام 2006 شهد نموا أعمق للعلاقات الصناعية بين
البلدين او بمعنى آخر نموا للاستثمار الصينى فى مصر.
فى هذا الاطار على سبيل المثال قامت وزيرة التعاون
الدولي ورئيسة الجانب المصري فى سبتمبر 2006 في آلية
متابعة علاقات التعاون الاقتصادي والفني بين مصر
والصين، مع وفد رفيع المستوي من الصين، بدأت اجراءات
اقامة مشروع استثماري ضخم مجمع لصناعة الالومنيوم
بصحراء الاسماعيلية باستثمارات تصل الي 800 مليون
دولار اي نحو 4.5 مليار جنيه واعتبرت وزيرة التعاون
الدولي عقب اللقاء ان المشروع يمثل بداية قوية لتدفق
الاستثمارات الصينية الي مصر ضمن خطة وآلية تنشيط
التعاون الاقتصادي بين البلدين، مشيرة الي ان الطاقة
الانتاجية للمشروع تصل الي 270 الف طن من سبائك
الالومنيوم يتم تصديرها بالكامل، واوضحت ان الجانب
الصيني يسهم في المشروع بنسبة 85% بعبارة اخرى، ان
المساهمة المصرية فى هذا المشروع الاستراتيجى الخطير
رغم توافر القدرات المصرية المدربة سوف تكون ضئيلة
ومحدودة، اى ان مصر ستكون مكانا للانتاج والشحن الى
الخارج، وهذا ليس الا نمطا امبرياليا قائما على
الاستغلال المباشر، فهذا ليس نمطا من انماط انتاج
الشركات المتعددة الجنسية التي تسمح بتفاعل اكبر مع
القدرات المحلية. فى هذا السياق اشارت فايزة ابوالنجا
الي اهتمام الحكومة المصرية بمشروع مجمع للالومنيوم
حيث سيكون له مردود اقتصادي كبير حيث سيقوم بتصدير
كامل انتاجه الي الاسواق العالمية وسيؤدي الي عائد
اقتصادي علي خزينة الدولة. الامر الذى يدعم التحليل
بالاختراق الامبريالى الصينى لمصر. فاذا انصرف العائد
فقط الى العائد المالى فهذا السلوك يجعل مصر دولة
رعوية وليست دولة صناعية. وتم تدعيم ذلك بقولها ان هذا
المشروع سيوفر نحو 3000 فرصة عمل مباشرة، ونحو 2000
فرصة عمل غير مباشرة باجمالي قيمة الاجور تقدر بنحو
200 مليون جنيه سنويا، مما يؤدي الي اقامة مجتمع
عمراني جديد بصحراء الاسماعيلية، بالاضافة الي انعاش
عملية نقل وشحن خامات الانتاج والمنتج النهائي عن طريق
معظم الموانيء المصرية باجمالي نحو 700 الف طن سنويا.
هذا سيؤدى إلى خلق مجتمع عمراني صيني مغلق ربما يحمل
معه عدائيات ضد الأمن القومي المصري. وكذا تتحول مصر
الى النمط الخليجى للانتاج.
وقالت الوزيرة ان تجارة مصر الخارجية للألومنيوم
ارتفعت خلال الفترة من1998 الي 2003 حيث زادت قيمة
الصادرات المصرية من الالومنيوم الي482.3 مليون جنيه
عام2003 مقابل 410.6 مليون جنيه عام 1998 كما ارتفع
حجم الانتاج المصري من الألومنيوم الي 215.5 الف طن
عام 2003 2004 وذلك مقابل 85 الف طن عام 1999. من
ناحية اخرى. ربما لا تعلم الوزيرة ان القضية ليست فى
توفير العمالة ولكن فى توفير نمط العمالة، فالأرجح ان
العمالة المتوفرة هى عمالة رخيصة قليلة التدريب. الامر
الذى يجعلنا نطالب بإعادة النظر فى نمط الاستثمار
الصينى والمطالبة بشروط افضل للاستثمار.
من ناحية اخرى وصل اجمالي حجم المنح الصينية لمصر بعد
التوقيع علي اتفاق مبني خدمة المستثمرين ما يعادل نحو
38.8 مليون دولار تم من خلالها تمويل عدة مشروعات ذات
الاهمية الحيوية لمصر من اهمها تجهيز مركز التدريب
المهني ببني سويف، والمساهمة في تمويل مشروع مبارك
للأبحاث العلمية، ومشروع تطوير نظام التعليم عن بعد
المرحلة الاولي، وانشاء مدرسة نموذجية لتعليم اللغة
الصينية والتاريخ الصيني كاحد المناهج وبلغت حجم
القروض الميسرة من الجانب الصيني لمصر 230 مليون دولار
حتي العام 2006 كما قدمت الصين منحة 159 مليون فرنك
سويسري لتمويل انشاء مركز القاهرة الدولي للمؤتمرات.
فالقضية ليست قضية تلقى المعونات ولكن القضية ان بناء
مبنى لخدمة المستثمرين على الطريقة الصينية يعنى شيئا
واحداً فقط الا وهو استيراد العمالة الصينية لادارة
هذا المبنى. الامر الذى يقول لنا ان هناك رغبة صينية
فى انشاء مجتمع صيني فى مصر الأرجح انه سيكون مغلقا
حيث لا تعرف الصين بأنها حاملة اى قيم للاستنارة
الاوروبية.
ويدعم هذا التحليل البدء بصياغة اتفاقيات للسماح
للبنوك الصينية للعمل فى القاهرة. وجاء ذلك فى اطار
تلبية لرغبة كثير من المصدرين الذين يتعاملون مع السوق
الصينية وتذليلا للصعوبات المصرفية التي يواجهونها في
تعزيز المعتمدات المستندية الصادرة من البنوك الصينية
وبالعكس. فقد وقع رئيس مجلس إدارة البنك لتنمية
الصادرات ثلاث اتفاقيات مع ثلاثة بنوك صينية وهى بنك
أوف تشاينا والبنك الصناعي الصيني وبنك الصادرات
الصيني. وقد نصت هذه الاتفاقيات على قيام البنوك
الصينية المذكورة بتشجيع الاستثمار في مصر حيث تقوم
البنوك الصينية بتمويل الاستثمارات الموجهة للسوق
المصرية بالإضافة إلي تسهيل تعزيز الاعتمادات
المستندية بين مصرف تنمية الصادرات والبنوك المبرم
معها الاتفاقيات. المفترض من هذا ان تمول الصادرات
المصرية الى الخارج وليس العكس. فالبنك اضحى بنك تمويل
الواردات الى مصر. وهذا يتسق مع التحليل المقدم.وأضاف
رئيس مجلس إدارة البنك أنه يجرى حاليا الاتفاق مع بنك
صيني رابع بحيث يصل عدد الاتفاقيات المبرمة إلى أربع
اتفاقيات.
لا يمكن لمصر ان تكون دولة رأسمالية يعتد بها فى
المنطقة اذا استمر نمط صياغة عقود الاستثمار المشترك
الدولى على هذا المنوال، لانها تنتهي بمصر الى كونها
دولة رأسمالية رثة . وربما هذا يقول اشياء كثيرة حول
طبيعة الطبقة الرأسمالية الحالية، وعدم رغبتها فى
التنافس الصناعى او حتى التجارى فى السوق العالمىة،
واسكنتها فى ظل منطق محلى لاكتناز النقود وامتلاك
العقارات.
|