دموع تتساقط..
دماء تسيل.. وجراح تنزف انينا.. سماء كستها الطائرات
المروحية تلقي بصواريخها لتهطل كحبات المطر.. لا تفرق
شظاياها بين طفل او عجوز امرأة او شاب.. مدني او
عسكري.. الكل ينطق بالشهادة بعدما شعروا بسكرات الموت
تطاردهم من جراء الاصابات.. وصوت الدبابات لا ينقطع..
هذا هو حال قطاع غزة الفلسطيني الذي تتواصل فيه
الهجمات الشرسة لقوات الاحتلال الاسرائيلي لتدخل
اسبوعها الثاني مخلفة وراءها مئات الشهداء والاف
الجرحي.
«الميدان» ذهبت
الي خط النار بمنطقة رفح الحدودية علي الشريط الحدودي
لترصد الحال علي الطبيعة.. ونتأكد من كذب وزيف اتهامات
بعض العرب الذين اكدوا امتناع مصر عن فتح منفذ رفح
البري امام المساعدات المقدمة لاهل غزة واستقبال
الجرحي الفلسطينيين لتتواصل المظاهرات العربية امام
سفارات مصر بالخارج منددة بأرض الكنانة.. وتوجيه
اتهامات بالعمالة لنظامها في ظل الاصوات الحنجورية من
بعض القادة العرب الذين شككوا في دور مصر ودعوا شعبها
الي الخروج وفتح المعبر بالقوة في الوقت الذي طالبوا
فيه شعوبهم بالتظاهر امام السفارات المصرية واقتحم بعض
المتظاهرين مقر القنصلية المصرية في عدن امام اعين وفي
حراسة الشرطة اليمنية!
وما ان وصلنا الي
البوابة المصرية مع الحدود الفلسطينية الا وانتابنا
الخوف والهلع من اصوات الصواريخ التي انهالت علي مدينة
رفح الفلسطينية مخلفة وراءها دخانا كثيفا تتصاعد
السنته لتصل عنان السماء حركة السير في المعبر لا
تنقطع.. مئات من سيارات الاسعاف وقفت متراصة استعدادا
لنقل المصابين للاراضي المصرية ومئات الشاحنات المحملة
بمواد الاغاثة تنطلق نحو الاراضي الفلسطينية لا يعوق
طريقها احد عبر بوابة المنفذ التي يصل اتساعها الي 25
مترا متخللة السور الذي يرتفع الي ثلاثة امتار عن
الارض ويمتد لبضع كيلو مترات.. في الجهة المقابلة
رأينا مئات الفلسطينيين تجمهروا عبر الحدود استعداد
لاقتحامها فارين من الموت رافعين لافتات تتهم مصر
بمساعدة اسرائىل في عدوانها علي قطاع غزة حسب تأكيدات
المصادر ووسط حالة تأهب في الجانب المصري لمنع اي
اعتداء علي الاراضي المصرية مثلما حدث من قبل حيث يتم
السماح فقط لقوافل الاغاثة بالدخول الى غزة واستقبال
الجراحي والمصابين.
اكد خالد حسين
احد افراد فريق الاسعاف المصري انه يتم التأكد من
هويتهم المصرية قبل عبور المنفذ البري الي جانب تفتيش
سيارات الاسعاف خوفا من تسلل المواطنين الي فلسطين
والعكس واشار الي ان اجراءات حمل المصابين لا تستغرق
دقائق معدودة وتقديم الاسعافات الاولية لهم تمهيدا الي
نقلهم الي المستشفيات ويتم السماح لمرافق المصاب
بالركوب داخل سيارات الاسعاف بعد التأكد من هويته
واوضح ان اصابات الفلسطينيين تتراوح بين الكسور وشظايا
الطلقات النارية.. وكدمات وضيق بالتنفس نتيجة وجود
كسور بالقفص الصدري.. فجأة يسود المعبر حالة من
الارتباك وتتعرض بوابة المعبر لهزة عنيفة تتبعها
تعليمات بالابتعاد عن البوابة وسط صرخات تعالت من
الجانب الاخر وعلمنا ان البوابة الفلسطينية قد تعرضت
للقصف الصاروخي.. ابتعدنا وابتعدت سيارات الاسعاف عن
البوابة خوفا علي حياتنا ليتم استدعاء السيارات عبر
الاجهزة اللاسلكية فور وصول المصابين وما ان حل الليل
حتي سادت مدينة رفح المصرية حالة من الرعب لم تشهده
منذ 1967 وذلك بعد قيام الطائرات الاسرائيلية بقصف
الحدود بين مصر وغزة طوال الليل مما ادي الي تحطيم
جميع النوافذ بالمنازل مع قطع كامل للتيار الكهربائى
طوال الليل الامر الذي زاد من حالة الرعب بين الاهالي
وخروجهم الي الشارع في ظل مناخ قارس البرودة وتحت
امطار كثيفة فضل الكثيرون من اهالي رفح النزوح الي
مدينة العريش التي تبعد 40 كيلو مترا خوفا من انهيار
منازلهم بعد اهتزاز جدرانها بسبب القنابل التي تلقيها
الطائرات الاسرائيلية علي الجانب الاخر من الحدود علي
بعد 200 متر فقط من رفح المصرية.. فهذا «عبدالرحمن
العبد» خرج مسرعا وهو يحمل طفله الصغير حاملا شمسية
تقيه من الامطار الغزيرة بعد اهتزاز جدران منزله مفضلا
البقاء تحت الامطار عن انهيار منزله فوق رؤوسهم.
واكد «عبدالرحمن»
اصابة طفل مصري بجروح مقطعية بعد سقوط حائط عليه جراء
القصف الاسرائىلي لمناطق الانفاق الامر الذي يهدد 40
الف مصري يعيشون بمدينة رفح الحدودية خاصة مع تواصل
الغارات التي وصلت الي 30 غارة خلال الاسبوع الماضي..
واوضحت زينب عرفات من سكان حي البرازيل بغزة ان عددا
من السكان تركوا منازلهم خوفا من ان تنهار فوق رؤوسهم
واقاموا لدي اقارب لهم بمدينة العريش حتي يكونوا بمأمن
عن الغارات الاسرائيلية المتواصلة.. وعدم مغادرتها
مدينة رفح مثل الباقين قالت: ليس لدي مكان اخر اذهب
اليه وهو ما اضطرني للبقاء هنا رغم المخاطر مع ابنائى
الخمسة.
السيد محمد ويعمل
تاجرا بمدينة رفح اكد ان الفزع اصبح يسيطر علي الاهالي
هناك لدرجة وصلت الي تبول طفله علي نفسه نتيجة الخوف
ليقوم مذعورا بالليل علي صوت القصف الذي ادي الي تصدع
العديد من المنازل وحذر من تواصل الغارات التي قد تؤدي
الي انهيار المنازل بشكل تام نتيجة الاهتزازات الارضية
العنيفة من جراء القصف المتواصل علي المناطق الحدودية
المقابلة!
كانت الصدمة حقا
فيما ذكره احد مشايخ القبائل والذي طلب عدم ذكر اسمه
والتي تمثلت في قيام الفلسطينيين برفع علمهم علي ارض
الشيخ «زويد» بعد اقتحامهم الحدود المصرية منذ اشهر
قليلة وهو ما يزيد من المخاوف وتكرار نفس السيناريو
اذا ما تواصلت الهجمات الاسرائيلية علي قطاع غزة ليلجأ
الاف الفلسطينيين الي الشريط الحدودي مع مصر واقتحامه
مثلما حدث من قبل لتتحول المصادمات من الطرف
الاسرائىلي ـ الفلطيني الي الفلسطيني ـ المصرى!
اما «محمد وحيد»
فلسطيني 30 سنة ويعمل سائقا ومقيم بالعريش فأكد
احترامه للموقف المصري والدور الذي لعبته منذ بدء
مشكلة فلسطين والعمل علي حلها بشتي الطرق وانه يعيب
علي الحكومات العربية توجيهها الاتهامات الجغرافية
ودعوة المصريين لمحاربة النظام في الوقت الذي طالبوا
فيه هم شعوبهم بالتظاهر السلمي وحث قاداتهم علي
التنديد فقط بالمجازر الاسرائيلية في فلسطين والدعوة
بصوت عال لقمة عربية طارئة.. واوضح «محمد» ان المعبر
مفتوح امام ارسال المساعدات الانسانية لقطاع غزة ولا
يعوقه شيء ومفتوح ايضا امام استقبال المصابين الذين
يلقون كل الرعاية الطبية في المستشفيات المصرية.. وعلق
علي ما يحدث في فلسطين قائلا: عدم الوحدة والصراع علي
السلطة وصل بنا الي تلك المرحلة مطالبا بوحدة الصفوف
حتي يستطيعوا مواجهة العدو الصهيوني.. وفجأة تسود
المعبر حالة من القلق والتوتر ويتهامس افراد الاسعاف
فيما بينهم بعد صدور تعليمات الي سيارات الاسعاف بحمل
المصابين والتوجه مباشرة الي مطار العريش تمهيدا الي
نقلهم الي مستشفيات السعودية والاردن بناء علي تعليمات
صدرت بتحويل مسار المصابين من المستشفيات المصرية الي
الدول الشقيقة وعن السبب في ذلك اكدت مصادرنا أن قرارا
سياديا وراء ما يحدث بناء علي اتصالات تمت بين كل من
الرئىس مبارك والملك عبدالله عاهل الاردن والملك
عبدالله عاهل السعودية ونفيي المصدر ان يكون قرار
تحويل المصابين نتيجة الهجمة الشرسة الموجهة للنظام
المصري وارجعه للطلبين السعودي والاردني المتكررين
بالمشاركة في علاج الجرحي الفلسطينيين مع الاعلان بقرب
وصول طائرات اسعاف جزائرية.. وبرر نفيه بأن المستشفيات
المصرية مازالت تستقبل مصابي غزة حتي كتابة هذه
السطور.
وتنفرد «الميدان»
بنشر بعض اسماء المصابين الذين تم تحويلهم الي الدول
الشقيقة.. وهم «حمزة عودة الخالدي» الذي حملته سيارة
اسعاف تحمل لوحات معدنية رقم 212 و «ثائر جهاد النجار»
وحملته السيارة رقم 211 وكلاهما قضي ليلة بمستشفي
العريش العام و«اياد حمدان يوسف» و «نهاد رباح» و
«حشمت احمد نضال» و «معين علي ابراهيم» وهؤلاء تم
التوجه بهم مباشرة من رفح الي مطار العريش.. حيث قمنا
بالتقاط الصور لهم داخل سيارات الاسعاف التي تقلهم..
وكانت التعليمات قد صدرت بتحويل 11 مصابا الي السعودية
الي جانب عشرة مصابين الي الاردن.. واستمر تدفق
المساعدات الانسانية الي مطار العريش.. حيث وصل العديد
من طائرات الاغاثة العربية محملة بالادوية والاغذية
وتم تفريغ حمولتها في المطار تمهيدا الي نقلها الي
قطاع غزة عبر منفذ رفح المصرية الذي لم تنقطع مرور
المساعدات منه بالاتجاه الفلسطيني منذ بدء العدوان
مثلما ردد البعض.. وبلغ اجمالي ما تم ادخاله الي
القطاع من ادوية ومستلزمات طبية نحو 1500 طن مقدمة من
وزارة الصحة وجمعية الهلال الاحمر وبعض الجمعيات
الاهلية حسب تصريحات الدكتور طارق المحلاوي وكيل وزارة
الصحة بشمال سيناء لـ «الميدان» واعلن عن وصول 30
مصابا مؤخرا تم حجز «15» منهم بمستشفي العريش العام
والباقي تم نقله جوا الي مستشفيات السلام وقصر العيني
ومعهد ناصر بالقاهرة لخطورة حالاتهم.