|
نعمان
جمعة.. رئيساً للجمهورية
وقفت داخل حديقة القصر.. أرصد نهايته المأساوية التي
اختارها لنفسه!
الموقف متأزم. اصرار من الشباب والعاملين بالصحيفة علي
الانتقام منه.. هو يختفي داخل القصر مذعورا يرفض
الخروج علي قدميه وسط الحشود الغاضبة التي احاطت
بالقصر، واحتشدت داخل الحديقة.. الهتافات ضده اشبه
باصوات الرعد في ليلة ممطرة.. ينادونه بالخروج..
اطلقوا عليه الاوصاف التي يستحقها انهم ذاقوا من ابشع
انواع التعذيب النفسي والمعنوي منذ وفاة الباشا، وبعد
توليه مقاليد الامور.. سب شتم فصل شرد عذب اعتدي
بالفعل.. لم يترك فعلا، وارتكب ما اصابه بالغرور
واللذة عندما يري الاخرين في نفسيات ومعنويات محطمة..
انه اعتاد الضحك والسخرية في هذه المواقف.. اعتاد ايضا
البطش بالنجوم والعمالقة. يشعر بالسعادة عندما يلتف
حوله الاقزام والهلافيت والاصفار.. يريد ان يظل الألفة
والاستاذ علي هؤلاء..عيناه تغمض عندما يري الكبار..
قلبه ينبض بالحقد والغل عندما يري احدا يرتدي كرافتة
او حذاء او بدلة لا يوجد مثلها في دولابه المكتظ
بالهدايا والمنح والهبات!
عرفته منذ اوائل السعبينيات وبداية الثمانينيات. رأيت
فيه مشروع طاغية.. وبداية ديكتاتور.. لم يخدعني بكلامه
المعسول.. خدع الجميع ما عدا العبد لله. رأيته في جميع
الاوضاع.. لم امنحه فرصة فرض نفسه.. تصديت للسانه
وتصرفاته. ابديت له دائما عدم احترامي له.. طردته في
احدي المرات من مكتبي.. امتنعت عن تنفيذ تعليماته التي
اعتاد اصدارها لأغراض واهداف شخصية.. لم اعرفه يوما
يعمل للصالح العام. ظهر عدم احترامي له للجميع.. كنت
اشعر بالغيظ يتملكه.. والحقد يسيطر عليه.. كنا نختلف
كثيرا.. سمعته مرات عديدة يصف اسلوب حكمه اذا تولي
مقاليد الامور في مصر.. سألته كيف تحكم مصر يا دكتور
نعمان؟! رد علي الفور «بالكرباج.. هذا الشعب لا يستحق
سوي الحكم بالكرباج».. كشفت عن هذه الشخصية في حديث مع
مجلة الاهرام العربي بأحد الاعداد الصادرة في شهر
سبتمبر 2003، قلت اثناء وجوده في قمة حزب الوفد:
«نعمان جمعة توعد بالضرب بالكرباج اذا تولي حكم مصر»!
هذه
شخصيته التي عرفتها جيدا من خلال تعاملي معه.. درستها
وحللتها من خلال دراساتي بقسم الفلسفة وعلم النفس
بكلية الأداب جامعة القاهرة.. اكشتفت مبكرا انه انسان
مخادع.. سلطوي.. حاقد.. كنا في اوقات عديدة نتناول
الغداء او العشاء علي سفرة المرحوم فؤاد باشا سراج
الدين. افاجأ اثناء خروجنا سويا علي سلم القصر. افاجأ
بسيل من الشتائم والبذاءات والاتهامات ضد الباشا..
تكرر هذا الموقف عشرات ومئات المرات.. تكرر ايضا داخل
اسانسير منزل محمود اباظة عقب خروجنا من شقته بعد
منتصف الليل وتناولنا العشاء.. هناك عشرات ومئات
الوقائع والحكايات عن هذا البني آدم.. عشتها جميعا
وهناك ايضا شهود احياء يرزقون.
كنت
اقول له دائما الواحد بيخرج من بيته الصبح يأمل في عقد
صداقة جديدة وعندما يجلس مع نفسه اخر اليوم يناقش نفسه
في الصداقات الجديدة ، وعرف من. للاسف انت عكس ذلك..
انت تخرج من بيتكم يا دكتور عشان تخسر احد يوميا..
اراك تخسر وتختلف مع الناس جميعا.. ستفاجأ يوما بأنك
بلا اصدقاء.. انه اعتاد ان يخسر الناس ويختلق الخلافات
وينفرد بالتصرفات التي تبعد الناس عنه. اختلف مع
قيادات حزب الوفد جميعا فؤاد سراج الدين الذي ندعو له
بالمغفرة علي سوء اختياره لم ينخدع يوما بتصرفات وكلام
نعمان جمعة.. فؤاد سراج الدين انشغل في البداية بمرحلة
بناء الوفد، وفوجئ بالمعارك المتوالية ولم يمنحه
«جمعة» او النظام فرض اعادة تنظيم الهيكل السياسي
للحزب. اذكر في الايام الاخيرة.. توجهنا بصحبة فؤاد
بدراوي الي غرفة نوم الباشا.. جلسنا حوله خوفا من ان
يسمعنا الخدم او السفرجي.. فقد سمعت من جمعة نفسه
مرارا وتكرارا انه نجح في تجنيد بعض خدم الباشا للعمل
لحسابه.. سألته كيف يا دكتور؟! خصص له مكافآت مقابل ان
يخبروه بما يدور في غرفة الباشا واسماء زواره وتحدثوا
في ايه.. وهذا السر قلته في مناسبات عديدة من قبل، ولا
اكشفه اليوم لأنه يوم وراء القضبان عقاب علي انتحاره
السياسي.. المهم. قلنا للباشا يومها: ان الدكتور نعمان
يخطئ كثيرا في حقك يا باشا لم تتملكنا الشجاعة اللازمة
حتي نصرح للباشا بما يردده نعمان من بذاءات وشتائم
وخلافه.. ويومها قال الباشا: انا عارف.. وجاءت لي هذه
الاخبار.. انتظروا شوية.. ثم توالت الايام وانتقل
الباشا الي رحمة الله، وتولي نعمان مقاليد الامور في
حزب الوفد وحدث ما توقعته وقدمت استقالتي من الوفد في
الذكري الاربعين لرحيل الباشا.
تصوروا.. هذا البني آدم الذي قدمت جزءا قليلا جدا من
شخصيته وامتنعت عن ذكر حقائق عديدة منذ بدايته في
المدينة الجامعية ومرورا بمرحلة دراسته في فرنسا
واخيرا فترة وجوده في الوفد تصوروا هذا البني آدم رشح
نفسه في انتخابات رئاسة الجمهورية وتصوروا انه نجح في
الانتخابات واصبح رئيسا لجمهورية مصر.. تصوروا ماذا
يفعل بالشعب الذي توعده بالكرباج عندما يحكم مصر؟! ان
في فترات تاريخ مصر حكام ظلوا ذكري للطغيان
والديكتاتورية والبطش ذكري لاذلال الشعب والدموية
والعنف.. ومنهم الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله الذي
اعتلي عرش مصر عشر سنوات في الفترة من 395 الي 405
هجرية.. وهذا الحاكم اشتهر بالتصرفات الغريبة واحاط
نفسه بسياج من التقديس رغبة منه في جعل رعاياه طوع
ارادته وأري في نعمان صورة شبيهة من هذا الخليفة
الفاطمي الذي امر بمنع اكل الملوخية والجرجير وراح
يجوب الشوارع ليلا يتجسس علي الناس وتعرض لقسوته اقرب
المقربين اليه، ونقلت الينا الروايات احاديث ونوادر
كثيرة من المناظر التي تقترن بما ينزع اليه الحاكم من
الاهواء العنيفة.. الم اقل ان «نعمان» صورة منه.. لقد
اصدر الحاكم بأمر الله فرمانات بمنع تطلع النساء من
نوافذ البيوت وحظر طلوعهن للسطح ورفض تصنيع احذية لهن
حتي لا يخرجن من البيوت، كما امر برصد الكلاب وقتلها
لان كلبا نبح عليه ذات ليلة، وتصوروا الحاكم بأمر الله
نعمان جمعة رئيسا للجمهورية.. انه سوف يصدر فرمانا في
اليوم الاول لتوليه برفع صوره في جميع المواقع حتي
دورات المياه العمومية والخاصة وأعلي الراقصات في
الكباريهات وعلب الليل.. سوف يقصر الصحف علي تصريحاته
النارية وفرماناته بمنع دق الطبول والابواق وعدم اذاعة
الاغاني اكتفاء بترديد اسمه فقط.. سوف يصدر تعليماته
الي القوات البحرية بدك مدينة بورسعيد التي يحمل لها
كراهية شديدة منذ ان رأي اهلها يحملون سيارة فؤاد سراج
الدين كما ان بورسعيد انجبت الراحل مصطفي شردي الذي
يحمل له نعمان كراهية شديدة كما انتظروا منه فرمانا
آخر الي القوات الجوية بدك محافظة المنوفية التي راح
يتهرب انه من مواليدها ونسب نفسه الي محافظة الشرقية
تقربا من عائلاتها ويشمل الفرمان النعماني القرية التي
شهدت مولده والمدارس التي تعلم فيها والكوبري الذي
اعتاد الوقوف عليه خلال ايام الصيف.. انه يريد ان يدفن
هذا الجزء المهم والمؤثر في تاريخ حياته كما انتظروا
منه فرمانا آخر بالتعاقد علي شراء صفقة من الكرابيج
السوداني، ورفع شعار «كرباج لكل جندي» حتي يؤدب الشعب
المصري الذي سوف يتطاول وينادي بالديمقراطية!
ان
صدام حسين ديكتاتور العراق.. يكمن بجانب الرئيس جمعة،
مثلا عندما يتحدث نعمان.. مطلوب مدفعية ثقيلة
لاسكاته.. فلا صوت يرتفع فوق صوت نعمان.. لقد احتار
المؤرخون والباحثون في تفسير تصرفات الحاكم بأمر الله
الذي اضطربت احوال مصر الاجتماعية والسياسية
والاقتصادية خلال ايامه. وتساءلوا: هل هي نزعة حاكم
مستبد ام ان ما احدثه يعود الي ضعف قواه العقلية؟!!!
ودائما .. تدفع الشعوب ثمن مستوي عقلية زعمائها
وحكامها! والوفد دفع ثمنا غاليا لمستوي عقلية نعمان
جمعة الذي فعل في الوفد خلال 6 سنوات.. ما لم يفعله
الرئيس الراحل جمال عبدالناصر في الوفد خلال 25 عاما!
لقد تحلل الوفد واحتضر ودخل الرعاية المركزة خلال فترة
نعمان جمعة وتعرضت قياداته للتفكيك والفصل واهان
صحفيوه والعاملين واستخدم معهم ابشع انواع التعذيب
والتنكيل وجمال عبدالناصر لم يفعل بالوفد مثل الذي
فعله نعمان جمعة.
هذا
الشريط الطويل دار في ذاكرتي اثناء وقوفنا في حديقة
الوفد يوم السبت الماضي.. نرصد خروج نعمان جمعة من
داخل القصر.. رأيناه ذليلا.. مطأطأ الرأس.. عيناه في
الارض.. تلاحقه ابشع الهتافات.. دفعوه الي داخل
السيارة المصفحة خوفا من انتقام الوفديين.. هذه
السيارة ينقلون فيها الارهابيين واشياء اخري مفترسة
يخافون علي حياة الناس منها.. ونقلوا فيها ايضا نعمان
جمعة مع عصابته.. لقد اختار لنفسه نهاية طريقه. اختار
الانتحار السياسي ولا يدري عواقب جريمته رغم انه استاذ
قانون! انه يشيع الآن ويتهم آخرين بانهم غرروا به،
ودفعوه الي هذه الجريمة.. وهذا غير صحيح.. إنه حديث كل
طاغية يفاجأ بمثل هذه النهاية المأساوية.. طاغية خرج
مذعورا مثله مثل شاوشيسكو ديكتاتور رومانيا الذي لم
يجد من ينقذه من بطش شعبه. فقد جري وراءه الشعب في
ردهات القصر حتي ينتقم منه.. ولم يكن في رومانيا وقتها
قوات أمن مركزي لانقاذ شاوشيسكو! ولكنها في مصر انقذت
نعمان حتي يساق مكبل اليدين امام الحشود الوفدية منهيا
بذلك ازمة الوفد!
لقد
اعتاد نعمان جمعة ترديد عبارة غريبة جدا .. انه يقول
عقب وفاة احد من خصومه من الوفديين واخرهم المرحوم
الدكتور ابراهيم الدسوقي اباظة: «ان الموت يحل لي
مشاكلي» تصوروا.. يفرح في الموت خاصة وفاة خصومه..
واليوم نردد.. ان القبض علي نعمان جمعة واقتياده مكبل
اليدين بالحديد مثل الارهابيين والمجرمين قد حل ازمة
الوفد..
و..
انتظروا عودة الوفد قويا بعد رحيل الطاغية!!
|