الرئيسية  |  من نحن  |  اتصل بنا  |  الأرشيف  |  الإشتراكات

(السنة الحادية عشرة) الخميس 2 من رجب 1427 هـ - 27 من يوليو 2006 م

 

 

   

  من مدن الصفيح فى لبنان إلى قلوب العرب

 

حسن نصر الله.. صداع فى رأس إسرائيل

 

 كتب: وليد عرابي

تضاربت من حوله الاحداث مثل البحر المضطرب لكن حياته عرفت الكثير من المحاولات مثلما حققت الكثير من الانجازات، هذه الشخصية المتوارية خلف هالة من أن التواضع سرعان ما قدر لها ان تعيش سطوعها الذى يشبه التألق الاسطورى، شخصية استثنائية عرفت كيف تحول التجربة الى وعى وفعل، لنقع على ذلك اللقاء النادر بين انسان فرد ومصير وطن وأمة، ولنتعلم هذه المرة ان الانسان ليس ما يخفيه بل ما يفعله ربما كان للتاريخ سمات يأتى بها لكن حسن نصر الله من بين قلة فى زمنه حاول اعطاء شكل جديد لهذا التاريخ فى منطقته، وعاش فى مكان الاحداث ووسط نيران النضال، انه طراز خاص من الرجال عرفت كيف تطوع الحاضر لتواصل حوارها الساطع مع المستقبل.

 

لقد ولد فى بيت يشبه جميع بيوت ابناء الجنوب اللبناني ومثل غالبيتهم اختارت عائلته العيش فى الضواحى الفقيرة والمترامية التى ملأت بيروت وأمست فى حينه ما يعرف بمدن الصفيح، وفى حى الكرنتينا أحد الاحياء الأكثر فقراً وحرماناً فى الضاحية الشرقية من بيروت نمت طفولته, ليشاهد عن قرب ومن خلال الحياة اليومية كيف تذل الحياة ويهان الانسان ، ومؤكد انه لو لم يكن عاش كما عاش لما تجسدت انسانيته من طين الصبر ولما استطاع ان يتآلف مع هموم الناس ويتحسس تطلعاتهم ويسمع احلامهم .

 

تشير سيرته الى انه تلقى الدروس الابتدائية فى مدرسة الكفاح الخاصة ثم تابع دراسته المتوسطة فى مدرسة «الثانوية التربوية» فى منطقة سن الفيل، ولكن اندلاع الحرب الاهلية فى عام 1975 اجبره على العودة مع عائلته الى بلدة البازورية, حيث واصل تعليمه فى المرحلة الابتدائية، وعلى الرغم من صغر سنه تم تعيينه مسئولا تنظيمياً فى حركة أمل، ومنذ ذلك الوقت بدأ يناضل ضد اتجاه عقارب الساعة وابدى اهتماماً خاصاً بالدراسة الدينية فالتحق بالحوزة العلمية فى النجف الأشرف اواخر عام 1976 وهناك بدأت علاقته مع الشهيد عباس الموسوي, حيث اوكل الإمام محمد باقر الصدر الى الموسوى مهمة الاشراف على الطالب الجديد والعناية به على المستويين العلمى والشخصى، لكنه سرعان ما غادر العراق متخفياً ومتوارياً عن انظار النظام العراقى فى عام 1978، وفى لبنان التحق بحوزة الإمام المنتظر وهى المدرسة الدينية التى اسسها الموسوى الذى كان ممنوعاً بدوره من العودة الى العراق، وهناك واصل دراسته العلمية مجدداً الى جانب نشاطه السياسى، حيث تم تعيينه فى العام 1979 مسئولا سياسياً لمنطقة البقاع ثم عضواً فى المكتب السياسى لحركة أمل، لكنه إبان الاجتياح الاسرائيلى فى العام 1982 انسحب مع مجموعة كبيرة من المسئولين و الكوادر من حركة أمل, ليواصل نشاطه العلمى فى المدرسة الدينية فى بعلبك الى جانب توليه مسئولية منطقة البقاع فى حزب الله حتى العام 1985, حيث انتقل الى بيروت وتولى مسئوليات عدة فيها، وفى بيروت عاش اضطراب المعمعة السياسية ورأى كيف ان بعض السياسيين وقادة الاحزاب يظلون بعيداً عما يعتبره جوهر مشاكل البلاد وصميم احساسها, ولم ير شيئاً بمثل اهمية التحرير، وفى العام 1987 تم استحداث منصب المسئول التنفيذى العام لحزب الله, حيث جرى تعيينه فى هذا المنصب الى جانب عضويته فى شورى القرار أعلى هيئة قيادة فى حزب الله وفى العام 1989 غادر الى مدينة «قم» فى ايران للالتحاق بالحوزة العلمية مجدداً واكمال دراسته, ولكنه عاد بعد عام واحد ليكمل مسئولياته بناءً  لقرار الشورى والحاح المسئولين والكوادر الاساسيين, وتحت ضغط التطورات العملية والسياسية والنضالية فى لبنان آنذاك، وفى العام 1992 تم انتخابه بالاجماع اميناً عاماً لحزب الله، لتبدأ المقاومة الاسلامية مرحلة جديدة من الحروب والمواجهات مع جيش الاحتلال الاسرائيلى كان ابرزها تصفية الحساب فى يوليو عام 1993، وحرب عناقيد الغضب فى ابريل عام 1996 التى توجت بتفاهم نيسان الذى شكّل أحد المفاتيح الكبرى لتطور نوعى فى عمل المقاومة الذى اتاح لها تحقيق الانجاز التاريخى للتحرير فى عام 2000.

 

ربما كان للتاريخ سمات يأتى بها لكن حسن نصر الله علّمنا ان نضال الانسان مرتبط بطباعه, لقد تشرب وجهه بعد التحرير عطفاً بادياً, ولكنه ظل وقوراً ، وفى خطابه الشهير فى مدينة بنت جبيل الحدودية ، بدأ الجميع يتعرف على شخصية وطنية تركت العزلة الكبرى التى حملها لتنخرط فى بناء الدولة من جديد ذلك ان تعزيز الوحدة الوطنية والاهتمام بالمجال الاجتماعى وصون الأمن الوطني كان عنده بمثل اهمية التحرير، فى ذلك اليوم كان يرجع فى المواضع التى يستشهد بها والمقارنات التى يعقدها الى مجال المستقبل واحياناً الى مجال الدين، لذلك كان تأثيره بادياً على الجميع حتى بدا هذا الرجل وكأنه يولد من الهتافات التى تطلقها الجموع المحتشدة والتى تجاوزت مئات الآلاف، هذه الجموع هى التى سوف تبدع فى مخيلتها صورة بطلها.

 

لقد حاول نصر الله دائماً ان يجعل الزمن الى جانبه اذا لم نقل انه حاول ان يجعل نفسه الى جانب الزمن بقدر ما يستطيع الزمن ان يسهم فى نجاح اهدافه، وهنا ايضاً يشبه المزارع اكثر ما يشبه الرجل العسكرى، لكنه مزارع يدرك ان الوقت الذى تقتضيه صناعة الحرب يكون جزءاً من الإعداد والتأهب، انه مغامر وفقاً لتصميم كبير متغير ما دام محكوماً بحدود الممكن, لكن الممكن متغير هو ايضاً، لذلك كان يشد العزم على انجاز عمله بكل الوسائل الموجودة فى متناوله، انه من بين قلة من رجال التاريخ يعى الدور الفعلى الذى يمارسه ولهذا السببب اصبح بمثابة الرمز، لكن شخصيته الرمزية هذه ظلت شديدة الاهتمام بأن تكون على حق، لكنه رغم ذلك لم يدع انه صاحب مشروع فكري, ولم يخاطب انصاره ومؤيديه بلغة المطلق والمتعالى والازلي, كذلك لم يسع الى تهميش الخصوم او استبعادهم من دائرة الحوار والمشاركة على طريقة بعض التيارات الاصولية المتطرفة، كذلك لم نسمعه يروج مرة الى ان الخيار او النهج الدينى هو الاطار البديل والسليم لجميع الافكار والايديولوجيات بهذا المعنى لم تكن لدى حسن نصر الله اجوبة جاهزة عن كل شيء بل رأيناه منفتحاً وواقعياً الى ابعد الحدود، ولهذا السبب ربما اجبر خصومه على الاعتراف باتزانه وانفتاحه وصدقيته، لقد آمن بلبنان التعددي لبنان التعايش بين جميع الطوائف، لكن هذا الايمان بلبنان لم يدفعه الى ابعاد نظره عما يهدد هذا الكيان الهش, وعرف انه لا بد من البذرة لكى تنمو الشجرة فآثر ان يحصنه ضد الاعتداءات الاسرائيلية المتكررة عليه من الارض والبحر والجو، لنشهد بعد التحرير اطول هدنة عرفها لبنان فى تاريخ صراعه مع العدو ذلك لأن هذا الاخير بدأ يأخذ حجم المقاومة وفعلها على محمل الجد، لنرى بعد ذلك انه من اجل هذه الشخصية بدأت ترفع الاعلام, وترفرف الرايات, بل بالامكان القول ان بيوتاً قليلة لم ترفع صورته فى صدر صالوناتها، لقد اصبح اسمه مباركاً على ألسنة الجميع وبات هو القائد والزعيم والداعية الذى تلبى نداءه الجموع، هذه المكانة التى احتلها نصر الله فى لبنان, بدأت تزداد رسوخاً واتساعاً يوماً بعد يوم وبات هذا الرجل بالنسبة الى شريحة عريضة من الناس اقرب الى القديسين والمخلصين، فهو قبل اى شيء محرر طاهر اليدين وهو الأكثر التصاقاً بهموم الناس ومعاناتهم والحارس الابدى لأمنهم الاجتماعى والتربوى، هكذا بدأ غالبية اللبنانيين يرون فيه غاندى القديس المقاتل أكثر مما يرون فيه جيفارا الثورى المتمرد، وهكذا اصبحت اشارة منه كافية لإحداث غير المتوقع، ويكفى ان نتذكر دعوته الى ارتداء الاكفان تضامناً مع العراق وشعبه حتى ندرك مدى التأييد الشعبى الذى توج مسيرة هذا الرجل، لقد ادرك غاندى ان حرارة المناطق المدارية تجعل من الملح شيئاً لا غنى عنه لكل من يعمل من البشر والحيوان، فالتقط الملح الذى تخلف عن الامواج بعد انسحابها خارقاً بذلك قانون ضريبة الملح، هذه اللمسة جعلت الهند قاطبة تهتز، هذه الصورة بتنا نقع على ما يشابهها فى لبنان إذ تكفى تلويحة يد من نصر الله حتى يثور زلزال الجماهير، فلقد جعل نصر الله الحرية ملح لبنان واستطاع بدعوته هذه ان يمس اشد الناس انكساراً، حتى بات الجميع قادرين على مقاومة الظلم والصمود له، وهكذا اصبحت كلمة الحرية تتخذ معنى يكاد ان يكون دينياً, رغم ذلك فان مسحة البراءة لم تغب عن وجه هذا الرجل الذى يعجن التاريخ ويعيد تشكيله.

 

فلم يحدث ولن يحدث ان شخصاً واحداً ولد من ألوف الأرحام, ولم يحدث ان فرداً يملك هذا المقدار من الاشقاء والشقيقات، انه وجهنا فى مرايا العالم، ولكنه فى نظر الغرب يرمز الى الارهاب, وفى نظرنا يرمز الى التخطيط، فهذا الرجل لا تغلبه الاوهام وهو يرى ان النصر لا يمكن ان يتأتى الا من خلال العمل الجماعي ومن الإرادة الوطنية.. اياكم ان تحرضوا اعداءكم على بلدكم فهو يدرك ان التماسك الوطنى هو بداية الطريق نحو الانتصار، ثم يخاطب الناس بالامور البديهية، عليكم ببعض الصبر وإلا فان لبنان سوف يعيش فى العصر الاسرائيلى، لكن الناس كانت تنصت الى صوت نصر الله وتستجيب له ايمانا بأن نهر الحرية سوف يجرف بقايا الدمار والحطام، وحسن نصر الله يدرك بؤس الناس ويقدر حجم الكارثة التى لحقت بهم لكنه يريد لهم قدراً فريد يريد لهم ان يصبحوا ضمير الامة، لقد كان الجنرال ديجول يرى ان الدولة التى لا تبنى شرعية وجودها ان آجلاً او عاجلاً على اساس الدفاع عن الامة مقضى عليها بالزوال بينما ردد غاندى دائما. اذا ارادوا ان يقصفوا الهند بالقنابل فليقصفوها يمكن القضاء على الجيش وعلى الحكومة وربما القضاء على النظام..  لكن لا يمكن القضاء على الشعب.

 

وحسن نصر الله اصبح ضمير الامة وحنجرتها ، وقد نذر حياته لهذا الدور، لهذه القيمة العليا التى جاءت بها المقاومة الى العالم العربى والاسلامى، لقد قيل طوال تاريخ الصراع مع اسرائيل ان المقاومة خرافة ولكنها هنا هى الوسيلة الوحيدة الواقعية للعمل السياسي ولهذا اصبحت عند نصر الله قانوناً من قوانين الطبيعة تضارع فى حجتها اى قانون فيزيائى او كيميائى، لقد قال أحد الحكماء.. لا يمكن ان يظهر الله حيث تكون الكراهية او العار او الخوف، لكن نصر الله علّمنا انه افضل للانسان ان يناضل من ان يخاف، هذا الكلام يعبر عن اعمق احاسيس شعوبنا العربية, لقد اجتمعت الامة سابقا حول شخصية عبد الناصر وقلنا ان التاريخ لن يتكرر ولن يجيء برجال يشبهون عبد الناصر ويكون لهم حظوة التمتع بهذا الاجماع حول نهجهم السياسى، لكن حدث ان التاريخ دار دورته ويندر الآن ألا نسمع انساناً عربياً فى المغرب العربي او الخليج او مصر او السعودية او فى بلاد الرافدين لا يؤيده ويؤازره ضد إسرائيل،لقد تحول نصر الله الى اسطورة.. لقد عاد صلاح الدين من جديد وبات يشكل صداعا مزمنا فى رأس إسرائيل.

 

في هذا العدد:

لعبة أمريكا فى الكنيسة والأزهر!

الثورة انتهت عندما استبد جمال عبدالناصر بالسلطة

الشيخ الحنش يلاعب «عمر أفندى»!!

نواب البرلمان يطالبون بمحاكمة "نظيف" بتهمة الجهل وإهانة المصريين

محافظ بورسعيد يتزعم حملة تعبئة عامة للتنديد بحكم القضاء!

حسن نصرالله.. صداع في رأس إسرائيل

 

 

 
 
     
 
 website developed and hosted by EgyptOnSite.com

الصفحة الرئيسية | من نحن | اتصل بنا | الأرشيف | الإشتراكات