|
حزب الله بين الصمود
الأسطوري والنصر الاستراتيجي
وسط نيران العدوان واجرامه، يقف حزب الله، بقياداته
السياسية وادائه العسكري، شامخا، قويا بعد شهر كامل من
حرب عالمية شرسة، تقودها عسكريا اسرائيل، وسياسيا
الولايات المتحدة ومعها منظومة الدول الغربية وبعض
السماسرة العرب ممن رأوا في الحرب مغامرة غير محسوبة.
تري ما الحال اليوم وبعد
هذا الشهر من القتل للابرياء في لبنان، ومن التهجير
القسري لقرابة المليون انسان من ارضه وبيته وايضا من
الصمود والانتصار المؤكد لحزب الله وما هي الدروس
المستفادة سياسيا، وانسانيا، واستراتيجيا من هذه
الحرب؟ وكيف يتبدي المستقبل اللبناني، والعربي في ضوء
النتائج التي انتهت اليها هذه الجولة من الصراع
العربي/ الإسرائيلي، خاصة بعد صدور قرار مجلس الأمن
الدولي «رقم 1701» الذي اعتبر مضمونه لدي البعض بمثابة
انتصار سياسي لحزب الله بعد انتصاره العسكري الفذ؟!
دعونا، نبلور الرؤية لما جري، بأوجاعه وانتصاراته،
بآلامه وأحلامه، ولما قد يجري في أجواء هذه الحرب
العالمية الرابعة أو الحرب العربية الإسرائيلية
السادسة؟
أولا: لعل ابلغ دروس هذه
الحرب العدوانية بعد شهر علي اندلاعها، انها لم تكن
حربا من اجل جنديين اسرا للعدو الصهيوني كما زعم العدو
وكما روجت له الصحافة الامريكية وبعض الصحافة العربية،
ولكنها كانت حربا من اجل ولادة الشرق الاوسط الامريكي،
ذلك الاقليم الذي تريده واشنطن من اجل نفطه ومن اجل
اسرائيل وهو من ثم لابد وان يكون شرق اوسط بدون
«مقاومة» ومن غير «عروبة»، من غير «إسلام»، إنه
الاقليم الملحق، او التابع لاستراتيجيتها في المنطقة
والعالم، ولقد كفتنا كونداليزا رايس مؤنة الحديث ولكن
.. هل تحقق الهدف؟! الواقع والنتائج علي الارض وحتي
لحظة صدور قرار مجلس الامن، تقول غير ذلك اذ لم تتحقق
لا الاهداف المعلنة للحرب، ولا الاهداف غير المعلنة،
والتي سنتحدث عنها لاحقا، لكن المهم لدينا هنا التأكيد
علي ان الهدف الرئيسي لهذه الحرب كان «رسالة للمنطقة»
و«محاولة لإعادة تخليقها مجددا» واسرائيل بالقطع كانت
الاداة الاكثر دموية فيها، ولكن واشنطن كانت الممول،
والمحفز، والشريك، إن لم تكن الفاعل الاصيل في العدوان
سياسيا وعسكريا.
لقد ارادت واشنطن ان
تهرب من اخفقاتها المتتالية في افغانستان والعراق
وفلسطين، بشأن شرق اوسطها الجديد، فأتت الي لبنان،
لتمر من خلاله الي سوريا وايران، ولم يكن موضوع الجنود
الاسري، سوي ذريعة لهذا المخطط، سرعان ما انكشف زيفها.
ثانيا: الدرس الثاني
لهذه الحرب العدوانية بعد شهر علي اندلاعها ، ان الحال
الرسمي العربي تجاه قضايا الامة، وحقوقها، كان في أسوأ
اوضاعه، كان منبطحا الي اقصي درجة بل كان متواطئا في
غالب حالاته ان بالصمت او بالمشاركة الفعلية والتي
تمثلت في تلك التصريحات السياسية او الفتاوي الدينية
المعادية لحزب الله ولنصرته التي اعطت - جميعها مبررا
مهما - وتاريخيا - للعدوان، ولعل الدور المصري،
والسعودي، والسعودي الاردني، كان هو الاكثر تمثيلا لما
نقول ، صحيح حاولت تلك الدول ان تعدل من مواقفها
لاحقا، إلا أن الانطباع الاول الذي ساد وسط المراقبين
ولدي الامة هو ان هذه الدول كانت مع العدوان، وعندما
جاء تعديل موقفها جاء نتيجة تطور نوعي للحرب علي
مستويين، الأول: الصمود الاسطوري لحزب الله والذي
راهنت علي تدميره - مثلها مثل أولمرت - في خمسة ايام
علي اقصي تقدير، والمستوي الثاني: انها فوجئت بحجم
الدمار والاجرام الاسرائيلي ضد البشر والبنية التحتية
اللبنانية تحت اشراف وموافقة من امريكا «صديقة تلك
الانظمة»، وهو امر لم يكن متفقا عليه بين تلك الدول
وبين واشنطن، حيث كان المستهدف فقط، هو تدمير حزب
الله، ويبدو ان تل ابيب وواشنطن عندما فوجئتا بالتأييد
المعنوي والسياسي بل والعسكري الرسمي لتلك العواصم
العربية حيث وصل الحال ببعضها ان كانت القواعد
العسكرية الامريكية بها ممر للقنابل الذكية، عندما
لاحظت تل ابيب، وواشنطن هذا الكرم الرسمي العربي،
استمرأتا العدوان وبالغتا في الايغال في دم
اللبنانيين، متصورتين، ان الضوء الاخضر العربي لا يزال
ساريا، وطامحتين في المزيد.
لقد ابرزت الحرب، او
بمعني ادق عرت وفضحت حجم الوهن والتخاذل الرسمي
العربي، وهو تخاذل، اراد ان يداري علي سوءاته بمزيد من
القمع للتحركات الشعبية، فكان لافتا - ايضا - ذلك
الاستدعاء الهائل لقوات الامن والشرطة في العديد من
بلادنا العربية المركزية ضد التحركات السلمية الهادفة
لمنظمات المجتمع المدني وضد النقابات والاحزاب التي
ارادت ان تعبر عن مساندتها لحزب الله، عبر مطالبتها
بطرد سفراء العدو الامريكي والاسرائيلي وتقديم الدعم
المادي والسياسي لمقاومته الباسلة، فتم قمعها بأسوأ
الوسائل واكثرها عنفا.
ثالثا: كشفت الحرب عن
درس عسكري بليغ، وهو ان حرب العصابات، او حرب المقاومة
الشعبية، التي تتسلح بعقيدة قتالية وايمانية صادقة،
بامكانها - ان تهزم اقوي قوة عسكرية في المنطقة، قوة
ترعب حكومات وانظمة من مجرد ذكرها، لقد اثبتت خبرة
الشهر، ان القتال النظامي بين اسرائيل والجيوش العربية
لم يعد يجدي او يحدث آثاره المؤلمة مثل حرب العصابات
التي شنها ونجح فيها حزب الله، سواء في تعامله مع
البوارج البحرية او التفوق الجوي او عدم القدرة علي
اختراقه استخباراتيا او الالتحام البري في جبهة الجنوب
او عبر استخدامه الرائع سلاح الردع الجديد، سلاح
الصواريخ قصيرة او طويلة المدي، وهي خبرة من المهم جدا
ان تستفيد منها جيوش المنطقة، وان تشرع في الاعداد لها
لأن المواجهات المستقبلية مع اسرائيل قادمة، لقد اثبتت
الخبرة الجهادية لحزب الله في هذه الحرب، علي المستوي
القتالي، أنه لو كان لدي الدول المحيطة باسرائيل
نموذجان او ثلاثة من هذا الحزب، لانتهت منذ سنوات
اسطورة اسرائيل ولأمكن بالفعل الوصول بقضية الصراع
العربي/ الصهيونية الي نهاية فعلية لصالح العرب، لكن
علي ما يبدو، فإن شيخوخة الانظمة، تسللت بدورها الي
جيوشها، فترهلت وفقدت القدرة علي المبادرة، والابتكار
علي المستوي القتالي امام عدو يتفوق تسليحا وتدريبا،
وفي هذه الحرب العدوانية، وامام البطولات او لنقل وبحق
«المعجزات» التي اجترحها حزب الله، كنت كمراقب اسأل
نفسي بماذا يفكر الان افراد وقيادات الجيوش العربية
الذين صدئت اسلحتهم في مخازنها والتي يتم شراؤها سنويا
من الاسواق الغربية لانعاش اقتصاد تلك الدول علي حساب
اموال الشعوب المقهورة «انظر وتأمل دلالات صفقة
الاسلحة السعودية من باريس بـ 4 مليارات يورو في
الاسبوع الاول من هذه الحرب»، تري كيف افراد وقيادات
تلك الجيوش المترهلة يفكرون وهم يجلسون باسترخاء امام
التلفاز يراقبون هذه البطولات، وهي تسطر بالدم في
الجنوب اروع انتصار عربي في العصر الحديث، وهل شعروا
بالغصة في حلوقهم ام بالعجز، ام بالغضب المكتوم من
ازمنة وانظمة جارت علي وظيفتهم كجيوش مهمتها ان تحمي
الامة وتلبي نداء الجهاد، وتبدع فيه، وليس ان تعمل في
شبكة للمجاري وفي المخابز او ان تحمي انظمة شاخت علي
مقاعد الحكم وتواطأت مع الأجنبي لبيع الاوطان مقابل
الابقاء علي حكمهم او توريثه للابناء والاحفاد!! سألت
نفسي ولم اتلق الاجابة بعد!! |