|
حكاية نجيب محفوظ مع الإخوان المسلمين
الجماعة رفضت «أولاد حارتنا».. ووافقت علي طبعها
بشروط.. ورفض الكاتب الكبير
كتب: محمد ثروت
«عش ألف عام».. هكذا قال الحرافيش لأديب مصر العالمي
نجيب محفوظ في عيد ميلاده التسعين، فماذا سيقولون عنه
الآن وقد تجاوز الخامسة والتسعين لكن المرض لم يرحم
رمز مصر القومي وتراثها الرائد فأخذ ينهش من جسده
النحيل الشبيه بجسد المهاتما غاندي.
ونحن هنا نحتفل بنجيب محفوظ، نرصد العلاقة الخاصة بينه
وبين الاخوان فقد اعتبر محفوظ صعود جماعة الإخوان
المسلمين في الاربعينيات من القرن الماضي تهديدا
لليبرالية التي آمن بها ايمانا راسخا واعتبر في
ثلاثيته الرائعة «قصر الشوق، السكرية، وبين القصرين»
ان الاخوان جماعة دينية تستغل الدين باسم السياسة وهي
ليست كدراويش المتصوفة الذين احبهم محفوظ وكانوا
ابطالا في اصداء السيرة الذاتية التي كتبها ولكن
الاخوان عند محفوظ مثل الشيوعين يمارسون السياسة
والعمل السري.
ويشير د. عبدالمنعم تليمة استاذ الادب العربي بكلية
الاداب جامعة القاهرة الي ان علاقة محفوظ بالاخوان مرت
عبر ثلاث مراحل في رواياته بدأت اولاها في فترة ما قبل
الثورة حيث كانت الجماعة تناوئ الاحزاب وخاصة افعال
النظام الخاص المتهم بالاغتيالات وتطورت الاحداث الي
اغتيال حسن البنا نفسه مؤسس الجماعة ردا علي اغتيال
النقراشي باشا رئيس وزراء مصر الذي امر بحل جماعة
الاخوان اما سلفه اسماعيل صدقي باشا فقد عقد مهادنة مع
الجماعة وقام بتعيين احد اعضائها حسن العشماوي وزيرا
للمعارف، وكل هذه الشخصيات تدور في أدب نجيب محفوظ
لكنها تتغير بعد الثورة ليتحدث في شكل رمزي عن تعذيب
الإخوان والشيوعيين في عهد عبدالناصر فقد كانت
الديكتارتورية هي آفة الآفات في نظر محفوظ كما يؤكد
ذلك د. تليمة كان نجيب محفوظ يرمز بالفتوة الي
الديكتاتورية ويراه واقفا ضد ارادة الأمة سواء كانوا
شيوعيين او ليبراليين او اخوان.
وكان الخلاف قد اتسع بين الاخوان ونجيب محفوظ اثناء
ازمة رواية اولاد حارتنا التي صدرت في بيروت ومنعت
جميع طبعاتها في مصر بأمر الأزهر ضد الكاتب والرواية
فصدرت فتاوي تحرم قراءتها واعتبرها الشيخ عبد الحميد
كشك (رحمه الله) رواية شيطانية، وصدرت الكتب الاخوانية
تبين مدي الالحاد الموجود في الرواية ومخالفاتها
لتعاليم الدين الاسلامي وسخريتها من الانبياء (جبل
وجبلاوي وادريس وعيسي).. بل من الذات الالهية
(فجبلاوي) رمز الحارة وحامل مفاتيحها والوقوف بها..
وهكذا صدرت تأويلات لرواية دينية بحتة بعيدا عن
الناحية الفنية والفلسفية بلد السياسة التي قصدها
محفوظ من روايته.
وكانت نتيجة هذا التحريض محاولة اغتيال نجيب محفوظ علي
يد شاب من عناصر الجماعات الاسلامية.
ويقول الكاتب محمد سلماوي رئيس اتحاد كتاب مصر في مساء
يوم الجمعة 24 اكتوبر عام 1993 كان الاستاذ نجيب محفوظ
في طريقه الي اللقاء الاسبوعي مع اصدقائه بمقهي ريش
حيث خرج من منزله مباشرة الي سيارة احد اصدقائه الذي
حضر لاصطحابه الي الاجتماع فاخرج محفوظ يده معتقدا ان
الشاب جاء لمصافحته لكنه فوجئ بالشاب يحمل سكينا
ويغرسه في رقبته و لولا صحبته طبيب صديق لمحفوظ، وانه
كان قرب مستشفي الشرطة بالعجوزة لكان للقدر شيء اخر.
والغريب انه بعد تلك السنوات وتجدد الدعوة لاعادة
اصدار اولاد حارتنا في مصر قام د. عبدالمنعم ابوالفتوح
عضو مكتب الارشاد لجماعة الاخوان بزيارة نجيب محفوظ في
بيته وتناقشا معا في كثير من الموضوعات الثقافية
والسياسية واعتبر محفوظ ان ابوالفتوح يعبر عن تيار
التجديد داخل الاخوان، ورأي ابوالفتوح ان جماعة
الاخوان لا تمانع من اعادة طبع رواية اولاد حارتنا في
مصر بعد تعديل ما بها من إساءات للدين الاسلامي
وللاديان بصفة عامة والانبياء، ولكن محفوظ رفض المساس
بعمله الفني او الحديث عن الرواية التي جلبت له مشاكل
لا طائل من ورائها. |