|
الشيعة والسنة بين الحوار والصدام
كتب:السيد
عبدالرءوف
ليس الخلاف المثار حاليا بين الشيعة والسنة خلافا
حديثا أو مستحدثا وانما هو خلاف قديم يرجع إلى صدر
الإسلام بل إلى الأيام الأولى لوفاة النبى صلى الله
عليه وسلم وهو خلاف يختلط فيه الدين بالسياسة كان هذا
منذ البداية وهو الحاصل الآن وفى كل مراحل التاريخ
الإسلامى كان هذا الخلاف وبالا على الأمة الاسلامية.
كانت شخصية النبى صلى الله عليه وسلم وافعاله واقواله
وتقريراته وقبل ذلك كله دعوة الحق التى جاء ليبلغها
للناس فى كل زمان ومكان هى عامل الوحدة بين المسلمين
وهى صمام الامان لهم جميعا وهى الاداة الفعالة لازالة
اسباب الخلاف - وليس اختلاف الرؤى والاجتهادات والقضاء
على عوامل الكراهية ونبذ الاحقاد الشخصية وذوبان
المسلمين مهاجرين وانصارا اغنياء وفقراء عربا وغيرهم
فى بوتقة واحدة وتسابقتهم فى البذل والجهاد فى سبيل
الله والتقرب اليه سبحانه بالتضحية بالنفس والمال.
فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم نشأت أولى بذور
التشيع المنطلقة بأحقية آل بيت النبى بالخلافة وجدارة
على بن أبى طالب كرم الله وجهه بهذه الخلافة دون أبى
بكر رضى الله ومن بعده عمر وعثمان رضى الله عنهما هذه
القضية لم تشغل عليا رضى الله عنه فعمل مع هؤلاء
الخلفاء الراشدين وشاركهم بالرأى والقضاء كما شارك فى
معارك الدفاع عن الاسلام ولم يجد اى غضاضة فى ذلك.
ولما ولى على كرم الله وجهه الخلافة ونازعه عليها
معاوية بن أبى سفيان وكان ما كان من اللجوء للتحكيم
وما تبعه من فتنة وحرب اذهلت الصحابة فانحاز منهم لعلى
من انحاز وانحاز آخرون لمعاوية فتفتت صفوف المسلمين
ونشأت الشيعة ونشأت طائفة الخوارج الذين خرجوا حتى على
على كرم الله وجهه بسبب رفضهم مبدأ التحكيم.
اصل الخلاف سياسى
وصار للشيعة مذهبهم - أو بالأصح مذاهبهم - الفقهى الذى
يختلف فى بعض الاحكام مع مذاهب أهل السنة - الحنفى
والمالكى والشافعى والحنبلى والظاهرى وصار لهم توجههم
السياسى الذى يدين بالولاء لآل البيت رضوان الله عليهم
جميعا وظل على مدى القرون على هذا الولاء وعلى
الاعتقاد بأن الخلفاء الراشدين قد اغتصبوا حقا ليس لهم
واصبح سب الخلفاء وكثير من الصحابة الذين لا ينتسبون
للبيت النبوى جزءا من أدبيات الشيعة.
ولأن الشيعة ظلوا على مدار التاريخ الاسلامى قلة عددية
محصورة فى الاغلب فى إيران وجزء من العراق ودول الخليج
السعودية والبحرين وقطر والكويت والامارات وعمان -
وبأعداد اقل فى بعض البلاد الاخرى - ومنها مصر بالطبع
- فقد نشأ مبدأ التقية كسلوك انسانى ورؤية فقهية يتجنب
بها الشيعة التعرض للأذى فى المجتمعات السنية.
ولكن جاءت فترات قوت فيها شوكة الشيعة خصوصا فى فترة
الدولة الساسانية فى ايران التى دخلت فى نزاع مع
الدولة الطورانية فى تركيا فكان الصراع بين الدولتين
الاسلاميتين وبالاً على الامة الاسلامية ولم يكن هذا
الصراع فقهيا بل كان سياسيا بحتا وانما استخدم فيه
الفقه لتبرير وتفسير والدفاع عن المطامح بل والمطامع
السياسية.
وفى مقابل دعاوى واتهمات الشيعة وتجاوزات بعض فرق
الشيعة التى تكفر الصحابة أو التى تؤله عليا بن ابى
طالب كرم الله وجهه نشأت فى الجزيرة العربية دعوات
تكفر الشيعة وتنكر عليهم مذاهبهم جملة وتفصيلا.
دعوة للتقريب
وأدرك عدد من علماء الامة خطورة استمرار هذا الاحتراب
الفقهى والسياسى بين الشيعة والسنة والمردود الطارىء
له على الامة فى مواجهة المخاطر التي تتعرض لها
والمؤامرات التى تحاك ضدها فنشأت دعوة للتقريب بين
المذاهب وعقدت عدة اجتماعات فى القاهرة وطهران لهذا
الغرض وانشئت دار للتقريب هدفها نشر ثقافة التقريب
واصدر المرحوم الشيخ محمود شلتوت شيخ الأزهر فتوى تجيز
لأهل السنة التعبد وفقا للمذهب الجعفرى نسبة للإمام
جعفر الصادق حفيد على بن أبى طالب كرم الله وجهه.
لكن هذه الدعوة اصيبت بنكسة لسببين: السبب الاول ضخامة
تراث الكراهية خصوصا لدى الشيعة تجاه الخلفاء والصحابة
رضوان الله عليهم والسبب الثانى هو الخلافات السياسية
بين نظم الحكم فى إيران والدول العربية وخصوصا دول
الخليج وتفاقمت حالة الاحتقان بين طهران والعواصم
العربية بصفة عامة والخليجية بصفة خاصة بفعل عاملين.
> > العامل الأول قيام الثورة الاسلامية ونجاحها فى
الاطاحة بالحكم الشاهنشاهى واعلان قيام الجمهورية
الاسلامية وتبنى مبدأ تصدير الثورة مما خلق ازمة فى
العلاقة بين ايران ودول الجوار العربية.
> > العامل الثانى الحرب العراقية الايرانية وما أدت
اليه من استقطاب وماتبعها فيما بعد من غزو العراق
للكويت وحرب تحرير الكويت وأخيرا الغزو الامريكى
للعراق وما قامت به الادارة الامريكية من اثارة للفرقة
بين الشيعة والسنة والتلويح بتفكيك العراق وتقسيمه الى
ثلاثة كيانات مستقلة:كردى فى الشمال وسنى فى الوسط
وشيعى فى الجنوب.
وبينما لم يندمل بعد جرح العراق اذا بجرج جديد ينطق
بالحرب العدوانية الإسرائىلية على لبنان وما ادت اليه
من استقطاب واتهامات بنشوء هلال شيعى يضم ايران وسوريا
وحزب الله فى لبنان يقابله محور سنى فى مصر والاردن
والسعودية.
وفى كل هذه الاحداث لا محل للخلاف الفقهى بل للنزاع
السياسى وهذا لم يمنع من الحديث عن جهود حثيثة تقوم
بها ايران بشكل مباشر أو غير مباشر للترويج للمذهب
الشيعى فى المجتمعات السنية بينما لا تبذل هذه
المجتمعات اى جهد لمحاربة المذهب الشيعى - ونعنى هنا
مصر بصفة خاصة - وبالطبع فإن الاعلام والمال يلعبان
دورا مهما فى هذا الشأن.
الحوار.. ضرورة
وقد حاول عدد من المخلصين بعث الروح وبث النشاط فى
دعوة التقريب بين المذاهب وعقدت سلسلة من المؤتمرات
والندوات فى عدة عواصم عربية وفى العاصمة الإيرانية
طهران لتحقيق هذا الهدف ولكنها لم تصل بعد الى نتائج
ملموسة بسبب غلبة الخلافات السياسية وزاد الامر حدة
بروز قضية المشروع النووى الإيرانى بما يثيره من مخاوف
لدى الدول العربية التى لم تنجح فى فعل شىء تجاه
السلاح النووى الإسرائيلى.
على أية حال فإن الامة الاسلامية فى عمومها مستهدفة
سواء فى ذلك الشيعة والسنة وهذا يفرض على الجميع ان
يدخلوا فى حوار جاد مع النفس لاعادة بناء الثقة وتخليص
الثقافة المجتمعية فى الجانبين الشيعى والسنى من رواسب
الكراهية والتخلص من فكر التكفير من الجانبين فالخطر
الذى تتعرض له الامة واحد والعدو الحقيقى واحد.
|