|
جريمة
عبدالناصر وتزييف التاريخ
أعدم شرائط خطب محمد نجيب بعد ساعة من اعتقاله
صلاح سالم وحسني الحديدي شاركا في الجريمة
رفض الاعتراف بأبوة «نجيب» الروحية للثورة وقيادته لها
اختفاء معظم خطب وتصريحات زعماء ما قبل الثورة وفي
مقدمتهم مصطفي النحاس
عبدالناصر أمر مدير مكتبه بتشريد 90 موظفاً بالبرلمان
ووصفهم بأنهم حثالة الأحزاب
عندما دخل البهو الفرعوني بمجلس النواب أمر بنقل
تماثيل زعماء مصر إلي المخازن ومازالت باقية فيها حتي
الآن
كتب:محمد طرابية
في
البداية أود أن أوضح أنني لست ناصرياً لكني محب لجمال
عبدالناصر إلا أن حبي لمصر وحرصي علي تاريخها أكبر من
حبي له وأشد..
هذه الكلمات كان من الضروري أن أبدأ بها هذا الموضوع
حتي لا يساء فهم عنوانه أو أن يفهم البعض أنه يهدف إلي
الانتقاص من شخصية عبدالناصر ودوره المهم في تاريخ مصر
الحديث والمعاصر ولكنني أحاول الكشف عن بعض الوقائع
التاريخية التي حدثت بالفعل ولا يزال بعض شهودها أحياء
يرزقون لعلنا بالكشف عنها نزيح الستار عن بعض الجوانب
الغامضة في تاريخنا المعاصر والتي قد تكون مفيدة
للكتاب والمؤرخين في كتابة تاريخ مصر من خلال وقائع
ثابتة وليس عن طريق ادعاءات كاذبة وخيالات مريضة.
ولن نتحدث عن جرائم التعذيب التي حدثت في العهد
الناصري ولا عن جريمة النظام وأعوانه في ذلك العصر عن
نكسة 1967 لكننا نتحدث عن وقائع كان بطلها الأول
عبدالناصر أما الضحايا منهم رموز مصر التاريخية في
عهدها الحديث والمعاصر وفي مقدمتهم مصطفي كامل ومحمد
فريد وسعد زغلول ومصطفي النحاس ومحمد نجيب.. إلخ.
وما يدفعني لطرح ونشر هذه الوقائع الآن هو قناعتي
الشخصية أن تاريخ مصر ليس حكراً علي أحد أو ملكاً له
لأننا لو تعامل كل رئيس لمصر مع وقائع التاريخ كما
تعامل معها عبدالناصر لما وجدنا في النهاية أي شيء
نكتبه عن تاريخ مصر لأنه لا يعقل أن يقوم كل رئيس بمسح
وإزالة أي آثار تخلد أو تبرز أعمال سابقيه وكأنهم
كانوا خونة للوطن أو عملاء لأعدائه.
وحتي لا نستطرد في الكلام نشير إلي بعض وليس كل ما
لدينا من وقائع حول هذه الجريمة التاريخية في حق مصر
وأولاها أنه بعد أقل من ساعة واحدة من إقالة واعتقال
اللواء أركان حرب محمد نجيب أول رئيس جمهورية لمصر في
عام 1954 ذهب الرئيس جمال عبدالناصر شخصياً إلي مبني
الإذاعة القديم بشارع الشريفين بوسط القاهرة وكان
بصحبته الصاغ صلاح سالم وطلبا أن يتسلما فوراً كل
الشرائط التي تتضمن خطب كل قادة ثورة 23 يوليو 1952..
ليس محمد نجيب فقط وانما كل أعضاء مجلس قيادة الثورة
ثم كل الشرائط التي تتضمن خطب الوزراء في الفترة ما
بين 26 يوليو 1952 وهو يوم رحيل الملك فاروق عن مصر
وأكتوبر 1954 بعد جلاء القوات البريطانية عن مصر.
وحول هذه الرواية يقول الكاتب الراحل ضياء الدين بيبرس
في كتابه «أسرار حكومة الثورة» كما رواها السياسي
الكبير فتحي رضوان وفعلا تسلم الاثنان كل الشرائط التي
طلباها وصحبهما الإذاعي الكبير حسني الحديدي إلي مجلس
قيادة الثورة حيث عكف تحت رقابة شديدة علي فرز تلك
الشرائط وتجنيب ما يحتوي علي خط الرئيس الراحل وزملائه
في تمجيد اللواء محمد نجيب والاعتراف لا بأبوته
الروحية فحسب وإنما بقيادته لها أيضاً.. إلي آخر نصوص
الخطب الممتلئة بالمشاعر الجياشة التي كانت توشك أن
ترتقي إلي مرتبة الشعر المنظوم في التغزل في اللواء
محمد نجيب.
وبعبارة أخري.. فإنه كما محي من أرشيف الإذاعة كل
شرائط الملك السابق فاروق ومعظم خطب وتصريحات زعماء ما
قبل 23 يوليو وعلي رأسهم الزعيم مصطفي النحاس.. دارت
دائرة المحو علي كل ما قاله وأذاعه محمد نجيب وعلي كل
ما قيل وأذيع في محمد نجيب وعنه.
وهناك جريمة أخري ارتكبها عبدالناصر في حق تاريخ مصر
وزعمائه فبعدما شكل أول برلمان مصري بعد الثورة في عام
1957 طبقاً للدستور المؤقت لعام 1956 والذي أصدرته
الثورة قام عبدالناصر بتعيين خمسين عضواً منهم خمسة
وثلاثون عضواً من الضباط وبالطبع فهم من تنظيم الضباط
الأحرار الذي كان يحوي علي ما يزيد علي تسعين ضابطاً..
وقبيل انعقاد المجلس تم نقل حوالي ثمانين موظفاً في
الأمانة العامة لمجلس النواب والشيوخ بتوقيع علي صبري
مدير مكتب عبدالناصر في ذلك الوقت حيث كتب بجوار
توقيعه أن هؤلاء حثالة الأحزاب وتم نقلهم إلي وزارة
الداخلية لتوزيعهم علي مصالحها المختلفة بالمحافظات.
وإذا كان المجلس قد انعقد في صباح 23 يوليو 1957 ففي
مساء 22 يوليو أي اليوم السابق للافتتاح.. استقبل حرس
المجلس إشارة بزيارة مسئول كبير للمجلس فأعلنت حالة
الطوارئ بين صفوف الحرس.. وبعد نصف ساعة كان الرئيس
جمال عبدالناصر يدخل من بوابة المجلس الرئيسية في
سيارة عادية حتي لا يتعرف عليه المواطنون في الطريق..
وقام بجولة في أنحاء المجلس فدخل القاعة التي كان من
المقرر أن يلقي بها الخطاب الافتتاحي وصعد علي المنصة
وتساءل عن عدد الميكروفونات واتجاهها وقوتها ثم طاف
ببعض أنحاء المجلس كالبهو الفرعوني «استراحة الأعضاء»
فرأي بعض التماثيل الخاصة بزعماء مصر قبل الثورة فأمر
بتخزينها فوراً وإلي الآن فهي طريحة المخازن.
وأخيراً أقول: إننا إذ نفتح هذا الملف الشائك نطالب كل
المختصين والمؤرخين بالرد علي هذه الوقائع وكشف
ملابساتها فقد نكون مخطئين في حكمنا عليها كما أن
احتمالات الصدق فيها كبيرة للغاية وأعتقد أن مصر
وتاريخها يستحقان منا عناء البحث لنقدم الوقائع كما هي
للتاريخ ولأجيالنا القادمة. |