|
فرص
النجاح أوسع لانتفاضة قادمة
كتب:
يوسف عبد المجيد
انتفاضة الشعب المصري في
18 و 19 يناير عام 1977 تحتل أهمية بالغة في تاريخنا
الحديث، وخاصة عندما نأخذ في اعتبارنا الظروف السياسية
والاقتصادية الراهنة، هذه الأهمية لا تنشأ فقط من
كونها أول انتفاضة شعبية شاملة في مصر الحديثة بعد
ثورة 1919، ولكن أيضا لأنها تقدم ردا قاطعا على مزاعم
بعض أفراد النخبة التي تصف الشعب المصري بالخنوع
والرضوخ للسلطة مهما كانت غاشمة ومتغطرسة وبأنه شعب لا
يثور مهما بلغ طغيان حكامه. ففي هذه الانتفاضة تحركت
جموع العمال والفقراء في جميع أنحاء مصر من شمالها إلى
أقصى الجنوب، وامتدت المظاهرات والإضرابات في جميع
المراكز الصناعية والأحياء الفقيرة تقريبا احتجاجا على
القرارات الاقتصادية التي اتخذها الرئيس الراحل أنور
السادات بزيادة أسعار السلع الأساسية تلبية لتوصيات
صندوق النقد الدولي. تحرك العمال في حلوان والمحلة
وشبرا وكفر الدوار والإسكندرية والصعيد، وانطلق شباب
الفقراء في مظاهرات عمت المدن والأحياء، وتحطمت
المحلات الكبرى وهوجمت أقسام الشرطة، وفقدت الدولة
توازنها وقدرتها على المبادرة، ليثبت العمال والفقراء
للمرة الألف أنهم عصب الحياة في المجتمع، وأنهم
القادرون على توجيه الضربات القوية للنظام متى أرادوا
وتحركوا.
ورغم أن هذه الانتفاضة
القوية كانت عفوية، حيث لم يسبقها تنظيم وإعداد من قوى
سياسية تسعى إلى تغيير النظام، فإنها لم تندلع بدون
مقدمات. ورغم أنها طرحت إمكانية الثورة في مصر، فقد تم
إجهاضها بعد اليوم الثاني فقط من اندلاعها.
أما عن المقدمات التي
بشرت باندلاع انتفاضة يناير 1977، فقد بدأت قبل ذلك
بما يقرب من خمس سنوات أو أكثر، وخاصة مع الإضرابات
العمالية المتوالية منذ عام 1974 والتي بلغت ذروتها في
عامي 1975 و1976 حيث بدأت تتكشف آثار السياسات التي
اتخذها السادات والتي انحازت إلى الأغنياء وتوسعت في
الانفتاح من خلال تطبيق توصيات صندوق النقد والبنك
الدوليين. ففي مايو 1974، لجأت الحكومة المصرية
للحصول على قروض من أجل تغطية العجز في ميزان
المدفوعات وسداد المتأخرات المتراكمة نتيجة انفتاح
السوق المصرية وفتح الباب للاستيراد على مصراعيه،
وطالبت بعثة الصندوق في مقابل ذلك بمجموعة من
الإجراءات تتضمن تخفيض قيمة الجنية المصري وإخضاع سعر
الصرف للعرض والطلب في السوق وإعادة هيكلة الأسعار في
قطاع التجارة الداخلية والتجارة الخارجية. وقدمت
الحكومة خطاب النوايا لبعثة الصندوق في مايو 1976 بعد
تشكيل "المجموعة الاستشارية لمصر" وتعيين ممثل مقيم
لصندوق النقد الدولي في مصر.
وما أشبه الليلة
بالبارحة، وكأن توصيات الصندوق ثابتة لكل مكان وزمان،
وكأن أهدافه لا تتغير حتى بعد عشرات من السنين. فقد
طالب الصندوق الحكومة المصرية آنذاك بتحرير أسعار
الصرف تعويم الجنيه أمام العملات الأجنبية، وتشجيع
القطاع الخاص نحو مزيد من الاستيراد بدون قيود،
وطالبها أيضا بإجراءات من شأنها تخفيض الإنفاق العام،
وأهمها كان تخفيض الإنفاق على دعم المواد الغذائية
بأكثر من 100 مليون جنيه وزيادة سعر الفائدة وإلغاء
الضرائب على مدفوعات الفوائد.
ففي مذكرة أرسلها ممثل
صندوق النقد الدولي إلى الدكتور زكي شافعي، وزير
الاقتصاد آنذاك، طالب الحكومة باتخاذ إجراءات حازمة
تمثلت تحديدا في تخفيض سعر الجنيه ورفع أو تخفيض الدعم
على بعض السلع الضرورية مثل السكر والخبز والوقود.
وبعد شد وجذب ومفاوضات، وافق مجلس الوزراء على إلغاء
الدعم عن بعض السلع تحت شعار "ترشيد الأسعار". ونشرت
صحف يوم 17 يناير 1977 في صفحاتها الأولى قائمة بخمس
وعشرين سلعة ارتفعت أسعارها مرة واحدة، ورغم
الاستعدادات الأمنية الهائلة التي اتخذها رئيس الوزراء
آنذاك ممدوح سالم ــ وقد كان وزيرا للداخلية قبل توليه
رئاسة الوزراء ــ فقد اندلعت الانتفاضة في جميع أنحاء
مصر وخاصة في الإسكندرية والقاهرة ولم ينتصف يوم 17
يناير حتى انتشرت المظاهرات الصاخبة احتجاجا على زيادة
الأسعار من الإسكندرية حتى أسوان. ثم أصدر السادات
أوامره بتدخل الجيش وإعلان الأحكام العرفية وتكليف
الجيش بمسئولية السيطرة على الأوضاع.
ورغم القمع الشديد
والعنف الذي واجهت به الدولة الجماهير الغاضبة، لم
تهدأ المظاهرات والإضرابات إلا بعد سحب قرار زيادة
الأسعار ومنح علاوة غلاء معيشة للموظفين. غير أن إجهاض
هذه الانتفاضة وعدم قدرتها على الاتساع لإزالة النظام
من جذوره، كان من شأنها أن تعطي الفرصة بعد ذلك
للحكومة لمعاودة الكرة، خاصة أنها تعلمت أساليب جديدة
في التعامل منها ما نشهده حاليا من ارتفاعات مفاجئة في
أسعار كل السلع في هدوء ودون إعلان مسبق.
انتفاضة يناير 1977 جاءت
على خلفية نضالات عديدة للجماهير رغم وصفها من قبل
السادات بأنها انتفاضة "الحرامية" فقد سبقتها مظاهرات
وإضرابات 1971 و 1972 كما شهدت هذه الفترة أيضا صعود
الحركة العمالية كما أشرنا أعلاه. غير أن هذه
الانتفاضة أجهضت نتيجة لغياب التنظيم السياسي القوي
المركزي القادر على قيادتها وتنظيمها حتى تتحول إلى
ثورة شاملة، علاوة على تماسك آلة الدولة الأمنية في
مواجهتها. حقا، كان في هذه الانتفاضة قيادات عضوية
نشطة متأثرة بالأفكار اليسارية، حيث استعادت الحركة
الشيوعية نشاطها بعد حل الحزب الشيوعي في عام 1964
وظهرت تنظيمات شيوعية كثيرة، كما كان لحزب التجمع
اليساري آلاف الأعضاء في صفوفه، هذا بالإضافة إلى
القوى الناصرية في النقابات والجامعات، وكان هؤلاء
يشكلون القيادات العضوية في المصانع وفي وسط الطلاب،
ولكن هذه القيادات العضوية لم تستطع أن تطرح أبعد من
المطلب المباشر الصغير المتمثل في إلغاء القرارات
بزيادة الأسعار، كما أنها اكتفت بإدانة أعمال العنف
التي مارستها جماهير الفقراء دون أن تتمكن من طرح
تصعيد للإضرابات وتشكيل لجان منظمة لحركة الجماهير في
ظل غياب التنظيم المركزي الذي يمكنه قيادة وتوجيه
الحشود الغاضبة.
وفي مقابل ذلك واجهت
الانتفاضة شراسة أجهزة الدولة التي حافظت آنذاك على
تماسكها في ضرب وقمع الجماهير حتى تم القضاء على
حركتها واعتقال العشرات من الناشطين في صفوف هذه
الحركة.
الأوضاع الحالية في مصر
أكثر تدهورا بكثير من ثلاثين عاما مضت، تفاقمت الديون
الخارجية والداخلية، وارتفعت معدلات البطالة بصورة
مفجعة، كما ارتفعت معها الأسعار ومستمرة في الارتفاع
دون كابح، وانهارت مستويات معيشة الفقراء والطبقة
الوسطى في مقابل بذخ وسفه الكبار المقربين من أصحاب
النفوذ في الدولة. وتدهورت الخدمات الصحية والتعليمية
والمواصلات وغيرها إلى مستويات مخيفة، أودت بحياة
المئات، كما انتشر الفساد وتشعب حتى أصبح نظاما
أساسيا، وغاب حكم القانون وانفلتت عصا الأمن.
|