|
سعد الدين ينتقد مبارك وعائلته في زيارته لإسرائيل
> تحدث أمام جمعية سرية عن «عمارة يعقوبيان» ونصر
حامد أبو زيد وأزمة الحجاب
كتب: أحمد الغريب
في نهاية شهر ديسمبر الماضي نشرت الصحف خبراً عن زيارة
للدكتور سعد الدين إبراهيم رئيس مركز ابن خلدون
للدراسات الإنمائية وأستاذ علم الاجتماع السياسي في
الجامعة الأمريكية ومجموعة من الطلاب والناشطين
المصريين والأجانب من دول لبنان والأردن والأراضي
الفلسطينية وإسرائيل تبدأ يوم 8 يناير للقاء مجموعة من
صناع القرار ورموز المجتمع المدني.
وقال الدكتور إبراهيم إن الرحلة مبادرة مستقلة منه
استجابة لرغبة الطلاب الذين يدرسون في الشرق الأوسط
وتهدف إلي دراسة الحركات الراديكالية واختبار فرضية
اعتدالها في حالة وصولها أو اقترابها من السلطة كما
أكد في تصريحات لجريدة «المصري اليوم» أن حزب الله لن
يرفض مقابلة مجموعة الرحلة رغم علمه بتخطيطها لزيارة
إسرائيل لأن الحزب لا يعاني من هذه «العقد»، وأن هناك
محادثات مستمرة من خلال وسطاء بينه وبين الطرف
الإسرائيلي لحل مشكلة الأسري، وإذا رفض الحزب مقابلة
المجموعة، فسيكون لأسباب أمنية وليس بسبب زيارة
إسرائيل.
وبعد عودته تحدث الدكتور سعد الدين إبراهيم عن زيارته
ولقائه مع الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله وما
دار خلال زيارته لبيروت لكنه لم يتحدث عن اللقاء شبه
السري وفقاً لوصف محرر القسم الثقافي بصحيفة هاآرتس
الإسرائيلية مع أعضاء جمعية سرية إسرائيلية تعني
بمتابعة الشئون المصرية ومعرفة ما يجري في مصر عن قرب
تلك الجمعية السرية التي لا يعرف أحد أعضاءها أو
الجهات التي ينتمون إليها.
ومع أن الدكتور سعد تكتم ما دار في هذا اللقاء وأخفاه
عن قرائه إلا أن بيني تسيفر المحرر الثقافي بصحيفة
هاآرتس أورد تقريراً كاملاً في العدد الصادر بتاريخ
20/1/2007 وكشف ما دار بين الدكتور سعد وأعضاء
الجمعية السرية .
وكتب تسيفر تحت عنوان «عن لقاء شبه سري مع مؤسس منظمة
حقوق الإنسان المصرية» يقول: بسبب محبتي الشديدة لمصر،
تلك المحبة التي لا أعرف مصدرها، حظيت بعضوية "جمعية"
شبه سرية، أعضاؤها من الإسرائيليين المحبين لمصر.
محظور عليّ، بالطبع، كشف أسماء الأعضاء الآخرين، كما
أن عضوية الجمعية غير متاحة لأعضاء جدد. وتتألف
الرابطة من ثلاثة أعضاء، يجتمعون مرة كل شهر تقريبا،
ويكون ذلك عادة مساء أحد أيام السبت..لمناقشة مختلف
القضايا التي تخص مصر واجتمعنا استثنائياً الأربعاء
الماضي، لذلك لم نعقد اجتماعنا في منزل خاص كما جرت
العادة، بل في قاعة صغيرة داخل مبنى «نفتالي» بجامعة
تل أبيب.
وأضاف المحرر أن
اللقاء غير العادي، هو بسبب حضور ضيف مهم من مصر، وقد
وافق الضيف أن يلقي علينا محاضرة عن الأوضاع
الاجتماعية والثقافية والسياسية في بلاده من وجهة نظر
غير رسمية، لكنها أصيلة للغاية. اسم الرجل هو د. سعد
الدين إبراهيم. وهو مؤسس المنظمة العربية لحقوق
الإنسان، كما أنه رئيس مركز ابن خلدون للدراسات
الإنمائية. هذا الرجل الشجاع، المتقدم في العمر، دفع
ضريبة العمل العام الذي يمارسه في صورة اعتقال لفترة
طويلة في السجون المصرية.
واتهم المحرر
دولة إسرائيل بالتخلف وقال إنه في أي مكان آخر
بالدنيا، كانت وسائل الإعلام ستنقض على الرجل، وتجري
معه الحوارات واللقاءات المطولة، وتطلب منه رواية
قصته. إلا هذه الأرض العقيمة، فما يحدث داخل حدود
جارتنا الجنوبية «يقصد مصر»، تلك الدولة الساحرة
الخلابة لا يهتم أي شخص هنا بها، إلا إذا تظاهر
المصريون ضد إسرائيل، أو عرضوا فيلما عن برتوكولات
حكماء صهيون ولكن لماذا لم يهتم أي شخص هنا؟ لأن زيارة
كالتي قام بها د. إبراهيم، وقد جاء بصحبة مجموعة من
طلبته المصريين، من شأنها أن تفسد الصورة النمطية
السلبية التي كونها الإسرائيليون العاديون
والإسرائيليون الجهلاء عن المصريين، وهم في مخيلتهم،
شعب من أكلة الفول المبتسمين دائما في بلاهة، ويكرهون
إسرائيل. إذن ما الداعي لإفساد الصورة المترسبة في
وعيهم بحقائق وأخبار لا لزوم لها متهماً المثقفين
الإسرائيليين بالقصور وقال:
والأمر نفسه مع المثقفين الإسرائيليين الذين أخاطبهم،
فهم مقتنعون بعدم وجود معارضة للأنظمة الحاكمة في
العالم العربي، وكل الناس هناك مطيعون خانعون، شبه
حمقى، يخفضون رؤوسهم أمام حكامهم الطغاة. وكل ذلك،
بالطبع، على النقيض من إسرائيل، الدولة الديمقراطية
الرائعة، فكل مواطن هنا انتقادي ومتمرد. وقال: أما أنا
فأتمنى أن أرى مصير هذه النزعة الإسرائيلية للتمرد
والانتقاد، عندما يظهر هنا فجأة نظام ديكتاتوري مستبد
.
وأوضح المحرر أن سعد الدين إبراهيم تحدث عن القضايا
الجدلية التي شغلت المجتمع المصري مؤخرا. وفي مقدمتها
بالطبع، الجدل الذي ثار حول رواية وفيلم "عمارة
يعقوبيان". وهي رواية كبيرة الحجم وممتعة، صارت الكتاب
العربي الأكثر مبيعا عبر العصور. وتناقش بجرأة غير
مسبوقة حتى اليوم، فساد القيادات الحاكمة، وتقتحم
التابوهات الكبرى مثل الإسلام- والشذوذ الجنسي. وأحد
شخصيات الرواية، رئيس تحرير مجلة بالقاهرة تصدر باللغة
الفرنسية، يمارس علاقة حب مع رجل متزوج. ولا يدخر
الأديب أي "تفصيلة" حميمية في إطار هذه العلاقة وعند
صدور الرواية سعت دوائر دينية للحيلولة دون توزيعها،
وباءت محاولاتهم بالفشل.
ويقول تسيفر: عندما قرأت هذه الرواية، منذ سنتين أو
ثلاث، أُعجبت جدا من جرأتها، وتركت في انطباعا قويا،
حتى إنني رحت أُحدِث عنها في كل مكان، وأوصي بقراءتها
كلما سنحت فرصة. لكن، كما تعرفون، الحكمة الشائعة
تقول: "لا تنثر الجواهر أمام الخنازير". والخنازير
هنا، استعارة أقصد بها غالبية سكان هذه البلاد
إسرائيل، الذين تنسد حواسهم في مواجهة كل ما يأتي من
العالم العربي، خاصة إذا كان هذا الآتي لا يتماشى مع
أفكارهم المسبقة. إذن كيف يكون شعورهم إزاء رواية
مصرية جريئة ومتمردة، أليس المصريون مجرد مجموعة من
الحمقى؟
كما تحدث الكاتب
الإسرائيلي قائلاً: إن قضية أخرى أشعلت نيران الجدل في
مصر مؤخرا، هي قصة نصر حامد أبوزيد الذي ألف كتابا
يحاول فيه تحليل النص القرآني، باعتباره نصا أدبيا،
مستخدما أدوات البحث العلمي، والنظريات الحديثة مثل
علم النص. وهو تابو آخر من يمسه يتعرض لعقوبة وخيمة.
فهناك قانون في مصر تم تغييره بعد ذلك يسمح لأي شخص أن
يقاضي "غيره" إذا تصور أن هذا «الغير» أهان المقدسات
الإسلامية. وفرارا من حكم متوقع بالسجن، جرى تهريب نصر
حامد أبوزيد وزوجته إلى هولندا. ومازالا يعيشان هناك
حتى اليوم.
وأضاف: أن القضية
الجدلية الثالثة، أولاها التليفزيون الإسرائيلي قدرا
محدودا من الاهتمام. الضجة التي أثارها الوزير المصري
فاروق حسني، عندما صرح بأنه قد آن الأوان لكي تنزع
النساء الحجاب. غير أن المشكلة دائما، أن الأشخاص
الذين ينقلون لنا هذه الأخبار من العالم العربي، وانا
أعني بالذات، "تسفي حزقيئلي" مراسل القناة العاشرة
للشئون العربية، يفعلون ذلك باستظراف واستخفاف، وكأنه
ينقل لنا عجائب وطرائف تدور في أحد مضارب قبيلة
بدائية. والحقيقة أنها قضايا جدية وخطيرة، يتعرض أشخاص
بسببها للسجن، والتعذيب والتحقيق. صحيح أن قضية فاروق
حسني انتهت بإجباره على الاعتذار، لكن تصريحه المساند
لحقوق المرأة مازالت أصداؤه تتردد في الهواء الذي
يستنشقه المجتمع المصري.
ويؤكد تسيفر أن القضايا الثلاث، جزء من السجالات التي
تؤكد أن مصر بعيدة كل البعد عن الصورة الإدراكية
المتكونة لها هنا. صورة بلد ظلامي مسلم، يسير الجميع
فيه مذعورين..ويسيطر عليهم خوف مقيم. لكن الحقيقة أن
وجود شخص مثل سعد الدين إبراهيم، لا يخشى أن يعارض
علانية، وينتقد بأسلوب حاد مثير للدهشة الرئيس المصري
وأفراد عائلته، علاوة على أنه ليس الشخص الوحيد الذي
يفعل ذلك لأن الصحافة المصرية أكثر حدة وشراسة في
الهجوم مما نظن. والشعب المصري أيضا، بالرغم من مكبس
الضغط الديكتاتوري، هو أقل الشعوب التي رأيتها تعصبا،
بالرغم من الظروف المعيشية القاسية التي يحياها. أنا
أشهد أيضا أن المصريين فضوليون، ويسعون لتحصيل المعرفة
حول إسرائيل، أكثر من فضول الإسرائيليين وسعيهم لتحصيل
المعرفة عن مصر.
وقال محرر هاآرتس: أستطيع أن أحصر على أصابع يد واحدة
كل الإسرائيليين الذين أعرف أنهم يتابعون ما ينشر في
الصحافة المصرية. وفي مقابل ذلك أعرف مئات المصريين
الذين يقرأون هاآرتس سواء بالعبرية أو الانجليزية،
علاوة على الذين يتابعون التليفزيون الإسرائيلي. ومثال
بارز على ذلك، عرفته عندما نشرت في الملحق الثقافي
بـ"هاآرتس"، عقب وفاة الأديب المصري نجيب محفوظ، عددا
خاصا عن الأديب، وبعد مرور أسبوع، نشرت جريدة مصرية
مهمة ترجمة كاملة للعدد الخاص.
وكل ما سبق لم يذع عنه شيء في التليفزيون الإسرائيلي،
لأن هذه الأمور لا تتماشى مع الصورة النمطية للمصريين
كارهي إسرائيل المزمنين. وهذا صحيح المصريون يغضبون
منا بسبب ما يجري للفلسطينيين، ومن حقهم تماما أن
يفعلوا ذلك. لكن على العكس منا، ففي الوقت الذي نرى
فيه العالم العربي بمنظار الأبيض والأسود، ولا نرى فيه
أشكالا متنوعة، فإنهم يستطيعون، أحيانا، التمييز بين
الألوان.
وتابع تسيفر
حديثه قائلاً: على أية حال، أنا أظن أن زيارة د. سعد
الدين إبراهيم لإسرائيل، كانت تستحق تغطية إعلامية
جادة، خسارة أنها لم تحدث. وخسارة أنه اضطر أن يظهر
بصورة شبه سرية أمام جمهور شبه سري، ولم تتمكن جماهير
أوسع أن تنصت لما يريد أن يقوله مثقف مصري مثله عن
إسرائيل، وعن مميزاتها وعيوبها، فعلا خسارة. |