|
كارثة جديدة تنتظر قطار الصعيد
3 وزراء نقل.. ورئىسا حكومة.. تغيروا منذ احتراق 373
راكبا في القطار عام 2002... ولا جديد
انتظروا احتراق قطار الصعيد
العربات متهالكة.. والزجاج مكسور.. وكابلات الكهرباء
مكشوفة.. والشرطة غير موجودة.. والظلام دامس
كتب:
عماد بسالي
في فبراير عام 2002، احترق 373 راكبا في قطار الصعيد
في كارثة تعد من اسوأ حوادث القطارات في تاريخ مصر.
لا اعلم لماذا تذكرت ذلك وانا اقف علي الرصيف رقم 10
منتظرا قطار الصعيد.
373 روحا رأيتها تحوم حولي، تطلب القصاص من حارقيها،
او علي الاقل من المتسبب في قتلها.
سيطر عليّ شبح الموت، بعد محاولات فاشلة لطرد الخوف من
قلبي، وانا اضع قدمي في القطار الذي مازال مكتظا
بالركاب يجلسون علي الابواب ويفترشون الطرقة بين
المقاعد المتهالكة كأن شيئا لم يحدث، ومثلما انتظرته
علي الرصيف، ينتظر القطار كارثة اخري تتوفر فيه كل
اسبابها.
نجحت بصعوبة شديدة في ان ادخل القطار، لكن استوقفني
عدم وجود اي مكان يتسع لقدمي، فهذا عجوز يفترش الطرقة
وبجواره يجلس عدد كبير من الشباب يظهر عليهم التعب
والفقر، بينما جلست سيدات يضعن فوق ارجلهن بطانيات لا
فرق بين لونها ولون الزيوت والشحوم التي تغطي الجدران.
وعندما انتبهت، وفارقتني اشباح القطار المحترق، اكتشفت
ان القطار يكاد يكون مظلما، ولا يوجد به اي وسيلة
للانارة.
تحركت بحذر وسط الظلام اتحسس موضع قدمي لاجد مكانا اضع
فيه حقيبتي، لكنني لم اجد مكانا لان الشباب يجلسون فوق
الارفف المخصصة للحقائب، ويرسلون اقدامهم فوق رؤوس
الجالسين علي المقاعد لتكتمل المأساة واظل واقفا حاملا
الحقيبة.
تحرك القطار الساعة 40.10 من رمسيس، واغلق الركاب
الابواب وجلس القريبون منها خلفها من البرد.
ولمحت احد الركاب جاء متأخرا، ولم يستطع ركوب القطار
بسبب الابواب المغلقة، ووجدته يقفز من فتحة الباب التي
كان بها زجاج في يوم من الايام، وساعده احد الركاب
وجذبه الي الداخل لكنه اصيب بقطع في فخذه نتيجة وجود
بقايا زجاج في الفتحة، وبدأ دمه ينزف، وسكب احد الركاب
زجاجة مياه علي الجراح دون توقف الدم.
مع مرور الوقت، اختلطت اصوات الركاب في الظلام مع
صافرات القطارات، وحاول الواقفون ايجاد مكانا للجلوس
دون جدوي، اقتربت من نهاية احدي العربات وبجوار الحمام
مباشرة شممت رائحة كريهة ونظرت فوجدت شبه غرفة في
قاعها فتحة وليس لها باب، ولا صنبور مياه، ووجدت نفسي
اصطدم بمجموعة شباب يجلسون امام الحمام يدخنون
السجائر.
وبعد التحرك بين العربات، وجدت انها لا تختلف في شيئ
عن بعضها لحظات وصعد بائع الجرائد والمجلات يسير بين
الركاب وينادي علي مجلات قديمة بها صور عارية يعرضها
علي الركاب دون اي خوف او حياء، سألته: «لماذا تبيع
هذه المجلات لركاب الصعيد الفقراء وهم لا يملكون 3
جنيهات لشراء واحدة منها فقال: «معظم الركاب في القطار
من العمال الذين يعملون في القاهرة، ولم يعودوا الي
بلادهم منذ فترة، وهم محرومون من النساء، ومعهم نقود
يدخرونها، وهم لا يقرأون ولا يكتبون، وتهمهم الصور،
وكل قطار له بضاعته، فمثلا القطارات المكيفة نبيع فيها
الصحف المحترمة»، قلت له: «لكن هذه المجلات ممنوع
بيعها»، فقال: «نحن لا نخاف من الشرطة لاننا مفتحين
مخنا معاهم».
لحظات وبدأت مشاجرة بين راكبين بسبب ان احدهما يجلس
فوق الارفف وغلبه النوم فسقط علي الآخر الذي يجلس علي
المقعد بجوار زوجته.
وتطورت المشاجرة الي التشابك بالايدي، وتعالت صرخات
النساء والأطفال وسط الظلام.
بحثت عن مكان شرطة القطار لفض المشاجرة، واكتشفت انه
تفصلنا عن عربة الشرطة 4 عربات وحاولت المرور بين
المشاجرة للوصول الي الشرطة لكنني فشلت، وقال لي رجل
عجوز: «لا تبحث عن الشرطة لانك حتي لو وجدتهم لن
يتحركوا من اماكنهم وسيقولون لك اذهب وسنأتي وراءك،
وبعد انتهاء المشاجرة سوف يأتون للقبض علي المتشاجرين
وتسليمهم لاقرب نقطة مباحث، او يستغلون المشاجرة
للحصول علي نقود مقابل عدم تسليم المتشاجرين».
احد باعة العطور لمحني وانا اصوره، وتشاجر معي وقال
لي: «يا بن الـ.. انت بتصور مين؟» وأخرج موسا من فمه
وحاول الاعتداء علي لكن الركاب تصدوا له، فقال: «سوف
ابلغ عنكم شرطة القطار» واختفي وبعد لحظات عاد ومعه
امين شرطة كان يدوس بقدميه علي الناس ويركلهم حتي يمر
بينهم، وقال لي الركاب: «يجب ان تختفي في عربة اخرى»
وتطوع راكب في عربة اخري واخبأني وراء باب العربة في
الظلام، وقفت وراء الباب دون حركة، وانا اسمع الامين
يفتش العربات ويسب الركاب ويركلهم بحثا عني، وبعد مرور
الامين وخروجه من العربة، التفت لاجد نفسي ملتصقا
بكابل الكهرباء واسلاكه عارية تماما.
اقتربت من سيدة تجلس علي الارض وتضم طفلها من البرد،
قالت لي «انت صحفى».. احنا بنتعذب عشان نسافر البلد..
ونقعد علي الارض عشان مافيش مكان... وما فيش فلوس عشان
اركب قطر نظيف.. الله يسامح الحكومة اللي بتعمل فينا
كده».
ونشبت معركة جديدة بين الكمساري ومجموعة من الشباب حول
ثمن التذكرة وهددهم بإبلاغ شرطة القطار لكن فجأة توقف
القطار، وسألت احد الركاب: «هو القطار تعطل»، فقال لي:
«لأ القطر وقف عشان القطر الاسباني يعدى الأول»، حتي
في سير القطارات يوجد فقير وغني، وبحثت عن ضابط
القطار، لكنني علمت انه نزل في اول محطة بعد تحرك
القطار، وترك هؤلاء الركاب ومشاجراتهم وارواحهم
والاسلاك الكهربية العارية والمجلات الجنسية في عربات
متهالكة مستعدة للاحتراق واللحاق بضحايا قطار فبراير
2002.
|