|
مفيش فايدة!
كتب: سليمان الحكيم
هذه هي العبارة الوحيدة التي بقيت من سعد زغلول في
ذاكرة الشعب، رغم كثرة ما قاله من عبارات واقوال
مأثورة، اسقطها الشعب المصري من حصالته، ولم يحتفظ الا
بتلك العبارة التي تنم عن اليأس والاحباط من حدوث شيء
في مصر له قيمة.00
ولا شك في ان إلحاق الجماهير لهذه العبارة بتراث سعد
زغلول يعطيها لديه مصداقية، ربما وصلت الي حد الاعتقاد
الذي لا تحرزه الا امثاله الشعبية ومخزونه المثالي
والقيمي.
والذي يحدث حولنا من حراك سياسي -او ما يعتقد البعض
انه كذلك- يجعل الناس هنا اكثر استدعاء لهذه العبارة
التي تدل علي انه لا جديد يحدث ولا قديم يفني وينزوي،
فالقضاة يثورون، ويلتف الشعب من حولهم ويحملهم امانة
التغيير الي المأمول، ولكنها ثورة ما تلبث ان تنتهي
الي «فاشوش» بمجرد صدور قانون السلطة القضائية الذي لا
يسمن القضاة ولا يغنيهم من جوع الي الاستقلال والنزاهة
التي كانوا ينشدونها.
ويثور الصحفيون ضد قانون النشر، ويشهد شارع عبدالخالق
ثروت حركة تنبئ بقرب انهيار النظام علي رءوس ساكنيه،
ولكن لا تلبث ثورتهم ان تنتهي هي الاخري الي «فاشوش»
بمجرد صدور القانون الذي اظهر ثورة الصحفيين علي انها
كانت «رقصة علي سلم» النقابة، فلا حرية جاءت ولا سجن
ألغي.
ويثور العمال في عدد من عواصم الاقاليم.. يعتصم بعضهم
ويضرب عن الطعام والعمل، بعضهم، ثم لا شيء بعد ذلك كله
سوي «الفاشوش» الذي احرزته ثورتهم عن جدارة بعد ان مدت
«السيدة عائشة» يدها في جيوبهم ببضعة جنيهات «بدل
وجبة» وكأن حياتهم وحياة اسرهم واولادهم كانت متوقفة
علي مجرد «وجبة»!!
ويثور طلاب الازهر وحلوان والقاهرة، وبمجرد دخول قوات
الامن الي الساحة يفر الطلاب الي بيوتهم عبر الشوارع
الجانبية، ولا يعود الطلاب لفعلتهم «الشنعاء» بعد ان
القي بعضهم خلف الاسوار، والبعض الآخر الي الشارع!
وهكذا لم تعد هناك فائدة من الثورة او المظاهرات، او
الاحتجاج طالما كانت كل طائفة تثور لمطالب فئوية ضيقة
تخص افرادها، ولا علاقة لجموع المواطنين او الوطن ذاته
بها.
فالقضاة يثورون بأجندة قضائية، والطلاب لهم مطالب
طلابية، والعمال بمطالبهم العمالية، والصحفيون يطالبون
بقانون يخصهم، اما القوانين التي تخص الوطن كله بكل
مواطنيه فلم يكن لها مكان علي اجندة فئة واحدة من تلك
الفئات، فالقضاة لا تعنيهم قوانين النشر والصحفيون لا
يعنيهم استقلال القضاء، والعمال غير مهتمين بالتعديلات
الدستورية، والطلاب غير معنيين بمطالب غير مطالبهم
بإبعاد الامن عن ساحة العلم.
وهكذا خاض الشعب ثورة «قطاعي» وليست بالجملة، فاصبحت
هناك جزر ثورية، وانتفاضات مجزأة واجندات مفتتة فكان
سهلا علي النظام ان يتعامل معها الواحدة بعد الأخري..
ويخمدها جميعا قمعا او منحا.. او منعا.
واذا كان سعد زغلول قد قال عبارته تلك بمناسبة ما كان
مطروحا عليه آنذاك من مشروع يجمع البلاد العربية في
منظمة واحدة تجمع شملهم، فقال إن البلاد العربية
مجموعة من الاصفار ولا حاصل لجمعها معا الا الصفر، فلا
فائدة من ذلك.
ولذلك فإن حاصل جمع تلك الانتفاضات والثورات يساوي
الصفر الذي قال سعد إنه لا فائدة منه طالما بقيت كل
انتفاضة منها في شرنقة.. أو غلاف من صنعها، ولن ينصلح
حال الامة الا بتجاوز كل فئة من فئاتها عن مصالحها
الخاصة وتبني مصالح عامة تخص الامة كلها، فما الذي
يفيد قضاة مستقلين في دولة تهدد اقلامها بالقصف وصحفها
بالاغلاق؟.. وما الذي يفيد صحافة حرة في نظام يكبل
احزابه بترسانة من القوانين المقيدة للحركة؟ وما الذي
يفيد العمال اذا لم تكن هناك صحافة حرة تدافع عنهم،
وقضاة مستقلون يقرون بحقوقهم؟
لقد جربنا الانتفاضات المجزأة.. والثورات المفتتة، فلم
يحصل احد من الذين قاموا بها علي شيء، سوي المسكنات،
والمسكتات.. لأن كلا منهم قال «نفسي.. نفسي» فلم يحصل
لنفسه علي شيء الا وضاع بظلم الآخرين.
ونادوا برفع الظلم عن الآخرين.. يرتفع الظلم عنكم..
فالسفينة لا تنجو بالبعض.. وتغرق بالبعض.. فالغرق للكل
او النجاة للجميع.. وإلا .. مفيش فايدة..!!
|