|
رحلة إلي عالم المقابر تكشف عنها الميدان
فقر.. تسول.. شذوذ.. مخدرات.. وما خفي كان أعظم..!
كتب: عز الأطروش - عماد بسالي
رغم اننا نعلم ان الحياة في المقابر متوقفة وانها
دائما هي المطاف الاخير للناس، الا ان الواقع هو وجود
آلاف الانفس والاحياء يعيشون بجنبات هذه المقابر
ويتخذون من الموتي جيرانا لهم في حياتهم الدنيا
ومازالت حياتهم مستمرة.
>الميدان< بدورها عايشت هذه القضية مع سكانها ليوم
كامل للوصول لصورة كاملة حول ما يجري في هذه الاماكن
ومعيشة هؤلاء ووظائفهم التي يعملونها وطبيعة الخدمات
التي يحصلون عليها وحقوق المواطنة التي تدعيها الحكومة
وتتخذها شعارا وهل يعلمون عنها شيئا؟.. كل ذلك عشناه
بعيدا عن المواربة او اللجوء الي المسئولين.. وبمعايشة
رصدناها بالكاميرا والصور التعبيرية لمظاهر الحياة
داخل هذه المقابر والمنازل والتي تقيم بها هذه الاسر
من رصد لمظاهر المعيشة داخلها، تجولنا بين المقابر
بمناطق السيدة عائشة والخليفة والقلعة.. فتفقدنا هذه
المقابر والمواطنين الذين يتخذون من الموتي جيرانا
وصحبة ومن المقابر سكنا ومأوي لهم ربما لأن عملهم
الرئيسي مرتبط بطبيعة الحال في هذه المقابر سواء كان
العمل >تربي< او الذي يقوم بدفن الموتي او المقرئين
علي الموتي والمقابر او لعدم وجود مأوي آخر او سكن
بجانب الناس العاديين فلجأ الناس العاديون لجيرة
الصامتين لعدم وجود بديل آخر.
دخلنا هذه المناطق ونظرا لوجود آلاف الاسر الموجودة
بهذه المقابر حاولنا اجراء حوارات مع الاهالي والاسر،
دخلنا في طرق مرصوفة داخل المقابر فشاهدنا الحياة تدب
بها لوجود هذه الاسر واهالي الموتي يزورونهم.. اقتربنا
من احدي الاسر فوجدنا سيدة تجلس بالشارع وامامها طفلها
وعمره حوالي 5 سنوات يلعب الكرة بين المقابر فوقفنا
امام هذا وتحدثت إلينا الام وقالت انها متزوجة منذ
اكثر من 27 عاما وان اولي ليالي زفافها كانت في هذا
البيت بين المقابر وان زوجها ويدعي صيام محمد ابراهيم
يعمل مقرئا في القرافة وقالت: أنا اعاونه علي معاش
اسرتنا لأن لدينا 6 اولاد ومصدر دخلنا واحد وحاولنا
مرارا ان نحصل علي شقة بمكان آخر لكن >الايد قصيرة
والعين بصيرة< وذهبنا لحي السيدة زينب لكن بدون فايدة
ولدينا الابن الكبير متجوز وعايشين هنا وبنتين
متزوجتين وطفل عمره 6 سنوات.. وتجولنا داخل البيت
البسيط عبارة عن غرفتين صغيرتين تحيط بهما المقابر
وحمام بلدي بسيط جدا وتليفزيون وراديو واريال فوق
الغرف للتليفزيون، وقالت السيدة ان مناطق المقابر
مقسمة لمناطق مسئول عنها اشخاص فالمنطقة التي توجد بها
منطقة الشيخ عبد القادر سيد السناني، تركناها وتجولنا
بين المقابر ولاحظنا ظاهرة غريبة وجود اعلانات
وبوسترات علي جدران المقابر عليها صور مرشحي مجلسي
الشعب والشوري وهي دعاية غريبة من نوعها.
تركنا هذه الاسرة وسرنا بين المقابر فتقابلنا مع رجل
عجوز امام بيته وحوله بعض الاطفال يتسولون إلي
المترددين علي المقابر وقال انا بلال محمدي 65 سنة
بالمعاش جئت من بلدتي بالنوبة بعد قرار الرئيس جمال
عبدالناصر بتهجير سكان النوبة الي مكانهم الحالي شرق
النيل لانشاء بحيرة ناصر مكان بيوتنا وقت انشاء السد
العالي وقصدت القاهرة مع عدد من اهلي في الميعاد
السنوي لاقامة مولد احد الاولياء الصالحين الذي ينتمي
اصله لبلاد النوبة وعهد الي كبير الطريقة ان اسكن
بجوار الضريح لحراسته من اللصوص وكان ذلك نهاية
الستينيات ومنذ ذلك الوقت وانا اشاهد غرائب الامور وما
يقوم به افراد العالم السفلي او الطبقة الدنيا من
عالمنا والتي لا يعرف عنها احد الكثير فهنا كما تري
اناس يعيشون في منازل بالصفيح والقش بسطاء كل عملهم
استعطاف زوار المقابر والحصول منهم علي >اللي فيه
النصيب< هذا بالنسبة للنساء اما الرجال فعملهم اما
تربي >متعهد دفن موتي< او >سمسار مقابر< ومنهم من يقوم
بري وزراعة الاشجار علي فتحة كل قبر ونبات الصبار
وبالتالي لا يجد اولادهم الصغار من يلحقهم بالمدارس
ولا يجدون سوي الشارع يتعلمون منه الحياة ودروبها لا
يهابون الموت والسير وسط الظلمات يعتبرون ما يرونه
امامهم شيئا عاديا من افعال يقوم بها الشباب المنحرفون
الذين لفظتهم امعاء القاهرة فهناك في احدي المناطق
المظلمة وسط المقابر تجد مجموعة شباب يمارسون الشذوذ
او تجد سيارة فارهة تقف علي جانبي الطريق الاسفلتي
الذي يخترق المقابر وبداخلها شاب وفتاة يمارسون الجنس
وفي مكان آخر تجد مجموعة شباب يتعاطون المخدرات بجميع
انواعها وبكافة سبل التعاطي سواء عن طريق الشم او
الحقن او الحبوب او السجائر المحشوة.
فنجد ذلك الطفل عندما يكبر لا يكون غريبا ان يكون
واحدا من هؤلاء يعمل في النهار اذا كان صالحا في احدي
المهن الحرفية نجارا او حدادا او ميكانيكيا وفي الليل
ينفق ما جناه طيلة اليوم علي المخدرات او يكون عاطلا
لا يعمل في ايه مهنة ويقضي النهار نائما ويستيقظ ليخطف
القروش القليلة التي جمعتها والدته من زوار المقابر ثم
يخرج الي سهراته مع اصدقاء الكيف.. ويغيب عن هذه
المناطق الامن الذي يمر من خارجها دون الدخول والمرور
بين هذه المناطق.
تركنا هذا الرجل وذهبنا لنكمل تجولنا فاستوقفنا عم
حامد 57 سنة يسكن حوشا به حجرة صغيرة بها تليفزيون ودش
وتلاجة صغيرة واكد انه ورث هذا الحوش من حماته وان
ابنه في كلية الهندسة يسكن معه ويستذكر دروسه هنا في
الحوش، ويوم نجاحه سوف يقيم حفله كبيرة هنا في المقابر
ويعلق الانوار والزينة.. ويسكن معه داخل الحوش شقيق
زوجته ويدعي احمد ويقول: اننا نبحث عن حوش قريب من
شقيقتي واولادها حتي اتزوج فيه فأنا عمري وصل 37 عاما
واعمل في البناء ومتزوج من ابنه >التربي بالمنطقة<
وزوجتي كانت تبيع الورد امام المقابر ورأيتها تتشاجر
مع شاب لأنه يعاكسها ومن هنا احببتها وقررت الزواج
منها وخطبتها علي الضيق مش زي ولاد الاكابر وعزمت كل
اصدقائي وأهي ليلة وانقضت.
واستكملنا المسيرة وسط الشوارع الرملية بين المقابر
فوجدنا لافتة موضوعة علي سور احدي المقابر مكتوبا
عليها >هذه المنطقة ملك احمد سيد التربي< وعندما سألنا
عن الهدف من ذلك اجابنا شخص عجوز ان كل تربي له منطقة
لا يستطيع اي احد ان يتعدي عليها بحكم عمله.
سرنا في طريقنا وتقابلنا مع احد فتحي حسين سمسار مقابر
فسألناه كيف تقوم بعملك؟.. فاجاب: كل عملي من اجل ان
اصرف علي اسرتي البسيطة المكونة من 7 افراد حيث اقوم
بالاتفاق مع اسر الموتي علي المكان الذي سيدفنون فيه
موتاهم فالمقابر تختلف طبيعتها وفيها اسعار غالية وكل
شخص علي حسب ظروفه الاقتصادية وانا اتوسط لتوفير
المقبرة مقابل بعض المال الذي احصل عليه من الطرفين
ونفي هذا الرجل ما تردد حول تجارة الاعضاء البشرية
والجماجم من الموتي لصالح الاطباء والمستشفيات الخاصة
وطلاب كليات الطب، ونفي ايضا ان يكون هناك سماسرة
يبيعون المقبرة لاكثر من شخص واسرة.
استمرت رحلتنا في شارع باب الوزير خلف القلعة واكملنا
في البساتين نتجول بين المقابر فالحياة تدب فيها علي
عكس الطبيعة حيث انها اماكن للاموات، ولكن اغلب هذه
الاسر فقيرة الي ادني درجات الفقر ولا تملك قوت يومها
فقد تقابلنا مع الاطفال في هذه الشوارع وهم يلعبون
الكرة وكأنهم في مركز شباب وسألناهم عن اعمالهم فقالوا
انه لم يكملوا تعليمهم وانهم يساعدون اسرهم في العمل
سواء في بيع الورود علي المقابر او التودد إلي اسر
الموتي وطلب الاموال او بيع اليافطات >من الطوب<
المنحوت عليها اسماء المتوفين او بيع مستلزمات الخروج
علي المقابر من مأكولات ومشروبات مثل البطاطا والفواكة
والعصائر وغيرها وهي الوسائل التي تستخدمها الاسر
للحصول علي اكبر قدر من الاموال.. استمرت رحلتنا يوما
كاملا رصدنا خلاله هذه الوقائع السابقة.
|