|
الميدان تخترق مقر السفارة الإسرائيلية في القاهرة
تحتل الأدوار «4» و«71» «81».. وتراقب حركة السكان
بكاميرات غير مرئية.. ومحاطة بكوردون أمنى
شالوم كوهين يرعب المنطقة بسيارتين ارقامهما 20824 و
08412
السكان يعيشون في جحيم.. والسفير نزع صور حسن نصر الله
من على أبواب شققهم وسياراتهم
السفارة حاولت استبدال اسم الشارع باسم يهودي..
والاهالي اطلقوا عليه: «شارع محمد الدرة»
كتب: عز الاطروش ـ عماد بسالى
في البداية كانت الفكرة مستحيلة، محفوفة بالمخاطر نظرا
لحساسية القضية والهدف والمكان فالمستهدف هو مقر
السفارة الاسرائيلية في العمارة رقم 6أ واختراقها
والتعرف علي الحياة الصعبة التي يعيشها سكان هذه
العمارة والمشاكل التي يواجهونها كل لحظة وكذا
العمارات الخمسة في نفس الشارع، فمقر السفارة محاط
بكردون امني مكون من ضباط مديرية امن الجيزة ومباحث
امن الدولة، ولعل ما عجل بخوض هذه المغامرة هو اختراق
هذا المقر بشارع انس بن مالك بجوار كوبري جامعة
القاهرة خاصة بعدما اثارته واقعة امين الشرطة محمد خلف
حسن ابراهيم «83» سنة الذي رفض ان يكون احد افراد
الحراسة علي السفارة الاسرائيلية مؤكدا ان ذلك نابعا
من ضمير وطني، فقد كان يعمل بالاسكندرية موكلا بالعمل
كحكمدار سجن المجمع الجديد بالاسكندرية وقام باكتشاف
واقعة اهمال اثناء تأدية عمله وابلغ عنها مما ادي
لتحويل مجموعة من الضباط للتحقيق مما اعتبروه اضرارا
بهم وعملوا علي الكيد به ونقلوه الي مديرية امن الجيزة
ضمن قوة حراسة السفارة الاسرائيلية، ولكنه اعترض علي
ذلك في يوم 61 فبراير من عام 7002 وقرر الدخول في
اضراب عن الطعام احتجاجا علي نقله والظروف المعيشية
السيئة واعتراضا علي مكان عمله بالسفارة فتمت احالته
لمستشفي ام المصريين بقسم الطوارئ تحت الحراسة وتمت
احالته للنيابة العسكرية وامرت بحبسه 51 يوما علي ذمة
التحقيقات ثم تم نقله لمعسكر قوات الامن المركزي
بالكيلو عشرة ونصف طريق مصر اسكندرية الصحراوي تحت
حراسة مشددة وتم منع الزيارة والضغط عليه لانهاء
الاضراب بعد عشرة ايام علي اضرابه اصدرت المحكمة
العسكرية بالجيزة حكمها بحبسه ستة اشهر بعد ان استمرت
الجلسة ثلاث ساعات، وتم نقله في يوم 82 فبراير 7002
الي سجن القطا العسكري بجوار سجن القطا المدني بطريق
الخطاطبة في وضع صحي متدهور نتيجة للاضراب، ولم يحدث
هذا الموقف في مصر وحدها ولكن سبقه ان قامت السلطات
الامنية البريطانية بفصل ضابط بريطاني مسلم يعمل بجهاز
الحماية الدبلوماسية بشرطة لندن بعد رفض حراسة السفارة
الاسرائيلية ببريطانيا ويدعي «القليش عمر باشا» 42
عاما وتم فصله نهائيا بعد رفض تولي حراسة هذه السفارة
لاسباب قال انها اخلاقية فهو من ام لبنانية واب سوري
بجنسية بريطانية.
بسبب هاتين الواقعتين قصدنا مكان السفارة في العاشرة
من صباح يوم الخميس الماضي ولكننا لم نفصح عن هويتنا
الصحفية حتي لا يتم احتجازنا في مداخل الشارع المؤدي
للعمارة الموجود بها السفارة الاسرائيلية والعمارات
الخمسة المجاورة واتفقنا علي التعامل بحرص حتي لا يتم
التعامل معنا كما تعاملت السلطات الامنية مع الطالبين
السوريين عندما تم القبض عليهما في الرابع من فبراير
لعام 7002 واعتقلتهما الجهات الامنية بعد قيامهما
بتصوير مقر السفارة الاسرائيلية في القاهرة بكاميرا
فيديو علي بعد امتار من مقر السفارة رغم ان الشابين
قالا في التحقيقات ان فضولهما هو الذي دفعهما للتصوير
ولكن جهات الامن شككت في دوافع التصوير.
تذكرنا هذه الوقائع واقتربنا من مدخل شارع أنس بن مالك
المجاور لكوبري جامعة القاهرة كي ندخل السفارة التي
يحيط بها اكثر المواقع اهمية بالقاهرة حيث يفصل بينها
وبين نهر النيل الطريق فقط ونفس الطريق التقاطعي معه
يفصلها عن جامعة القاهرة التي تضم عشرات الآلاف من
الطلاب الذين يزدادون حسرة كلما شاهدوا علم الكيان
الصهيوني مرفوعا اعلي هذه العمارة وكأنه سوط مسلط علي
اجسادهم وكذا فالطريق يفصلها عن اكبر واهم الاماكن
المفتوحة بالعاصمة وهي حديقة الحيوان بالجيزة وكأن
الموقع تم اختياره بدراسة وعناية فائقة بهذا المكان
المحوري.
اقتربنا بهدوء وترقب وسرنا لبداية الشارع المؤدي
للعمارة الموجود بها السفارة الاسرائيلية فاستوقفنا
رجال الامن وسألونا عن اتجاهنا واسبابه وهويتنا
بالاضافة الي التفتيش الشخصي وكنا قد حملنا معنا امانة
للاستاذ الكاتب الكبير محمود عوض بالعمارة المجاورة
لعمارة السفارة، وبالفعل تمكنا من الدخول بعد ان تركنا
بطاقاتنا الشخصية وسرنا في هذا الشارع بين كوبري جامعة
القاهرة والعمارات الست التي من بينها العمارة الموجود
بها السفارة الشارع لا يزيد طوله علي مائة وخمسين
مترا، تركنا العمارة الاولي وسألنا عن مكان الاستاذ
محمود عوض وتمكنا من الوصول اليه واعطيناه امانته ورحب
بنا وغادرنا لنكمل مهمتنا الرئيسية ولكن هنا كان لابد
من جمع اكبر قدر من المعلومات عن طبيعة سكان هذه
العمارة 6أ بشارع انس ابن مالك وعلمنا ان العمارة هي
رقم 3 تليها عمارة عائلة سراج الدين ثم العمارة التي
كان يسكن فيها الفنان محمد العزبي وعمارتان آخرتان
الامور كانت تحتاج لبعض الوقت فكان السبيل الوحيد ان
نجلس مع البوابين فطلبنا من بواب العمارة المجاورة
ويدعى «م.س» ان يحضر لنا كوبين من الشاي وبالفعل نفذ
ما طلبنا وحاولنا استدراجه في الكلام حول طبيعة الحياة
بعمارة السفارة وكيف يتعرضون للضغوط والرقابة والتفتيش
الذاتي كلما خرجوا او عادوا الي اماكن عملهم او جاءهم
اقارب بغرض الزيارة فكل هذه الافعال محاطة بالحذر وكأن
الامور استخباراتية فكانت ردود الرجل شديدة اللهجة
والفزع والخوف من الحديث مع اي احد حول هذه القضية
وقال: «يا بوي انا في حالي ومعايا عيال وعاوز اربيهم
وانا مقدرش علي اليهود ولا عاوز اشوفهم ولكن اكل
«العيش يحب كده وما عرفش حاجة وانا اسف جدا» وحضر آخر
ويعمل بوابا معه «ساعيا» وقال «يا عم سيبونا في حالنا»
واخذ زميله وبدأ يتشاوران فيما بينهما حتي يبدو انهما
اتفقا علي عدم الحديث معنا وربما للابلاغ عنا للجهات
الامنية، بدأنا في تهدئتهم وكل ما عرفناه منهم ان اغلب
البوابين بالعمارات المجاورة لعمارة السفارة من الصعيد
وبالاخص محافظة قنا، وتركناهما وتركنا العمارة ونزلنا
للشارع متجهين للعمارة المقصودة واعيننا تترقب الموقف
وتخشي اعين رجال الامن، وقابلنا شاب يدعى «م» سايس
بجراج العمارة، وما هي الا لحظات حتي تحول الشارع الي
ساحة اكتظت برجال الامن وحراس السفارة فدخلنا الي
الجراج حتي لا نصطدم بأحد وعلمنا ان اشخاصا مهمين
بالسفارة والسفير قد وصلوا وكل ما لحظناه هو ارقام
السيارات الخاصة وهي 20824 ميكروباص كبير ابيض هيئة
دبلوماسية، ورقم 08412 هيئة دبلوماسية خاصة بالسفير
الاسرائىلي حاولنا الحديث مع السايس لكنه رفض وقلنا
له: «إنت مع كل التشديدات الامنية دي من حقك تنام وانت
مستريح ولا تحتاج لتأمينها بنفسك لا نكم وسط كوردون
امنى» فرد قائلا: «بالعكس انا مطالب بالسهر وقال: اكيد
انتوا شفتوا فيلم ريا وسكينة» لما كانوا ساكنين بجوار
القسم فقلنا له «يعني الشارع فيه حرامية» فاكتفي
بالضحك وتركنا وذهب.
دخلنا الي باب العمارة ذات الطراز القديم مثل العمارات
المجاورة، وكنا قد علمنا ان العمارة مكونة من 81 طابقا
تحتل السفارة الاسرائىلية منها الادوار «الرابع
والسابع عشر والثامن عشر» والباقي لمن كانوا مقيمين
بالعمارة منذ انشائها، وضح منذ الوهلة الاولي وكأننا
في مداخل مطار القاهرة حيث وجدنا اجهزة مراقبة وتفتيش
ذاتي وانذار وتقابلنا مع عدد من ضباط الشرطة سألونا:
«إلي أين انتم ذاهبون ولماذا وكيف وصلتم الي هنا»
فقلنا لهم اننا مندوبو اعلانات بجريدة «الميدان» وجئنا
الي هذه العمارة كي نقابل مسئول الدعاية والاعلام
بشركتي «فيلكو» للتكييف وشركة الجيزة لصناعة الكابلات
لم يتركونا وحدنا وصعد معنا ضابط امن يرافقنا خطواتنا
بالداخل ولم يتركنا للحظة وقال: «إن هذه هي طبيعة عمله
وهي معرفة كل صغيرة وكبيرة وارقام السيارات التي تحيط
بالمنطقة وبالفعل استدركنا الموقف ودخلنا للمسئول
بشركة «فيلكو» او الجيزة للكابلات وتركنا الضابط
واعتبرناها فرصة حتي نتحرك داخل العمارة ونتفقد
احوالها والحركة بها، المسئولون بالشركتين كانت لهم
رؤي مختلفة لتأثير وجود السفارة الاسرائىلية في نفس
العمارة، وتأثيرها علي المبيعات حيث اكدوا ان اي عميل
او مستهلك يخشي الحضور للعمارة حتي لا يتم تفتيشه
ذاتيا، ونظرا للتحديات والتفتيشات الامنية الشديدة
للمترددين عليها وهذا امر يصعب من عمل الشركات
فالسفارة جاءت بالخراب علي الشركتين خاصة انها انتقلت
الي العمارة بعد سكنها وبالمواطنين والشركات ورفض
الخوض في اي تفاصيل اخري حتي تأتي بنتائج عكسية علي
الشركة.
تركنا المسئولين وتجولنا في العمارة وبحرص شديد لمدة
قاربت الساعة حيث قابلنا أحد السكان الذي لم يبد اي
تعاون معنا من البداية لحساسية القضية وبعد ان اكدنا
له اننا لا نريد معرفة اسمه او صفته حتي يثق فينا بدأ
يتحدث وقال انه يتذكر جيدا ما حدث من قبل السفير
الاسرائيلي حينما قام احد السكان المجاورين بوضع صور
لامين عام حزب الله حسن نصر الله علي زجاج سيارته
الخاصة من الخلف والموجودة امام العقار، كما قام ايضا
ساكن بالدور السابع بالعقار ذاته بوضع نفس الصور علي
باب شقته وسيارته مما زاد من غضب السفير «ليفي كوهين»
الذي طلب من ضباط الامن المسئولين عن تأمين السفارة
بنزع هذه الصور من علي باب الساكن ومن علي زجاج سيارته
ولكن الساكن رفض ذلك مما جعل السفير الاسرائىلي يشتطاط
غضبا واعتبر ان السكان يقصدون الاساءة اليه واستفزازه.
واضاف السكان ان السفارة مزودة بكاميرات ترصد اي شخص
يحاول التلصص عليها او تصويرها من الخارج مثل ما حدث
مع الطالبين السوريين.
ثم تحدثنا مع شخص آخر كان مرافقا له وهو احد جيرانه
وقال ان سكان العقار اشتكوا اكثر من مرة من المترددين
علي السفارة وابدو استياءهم من صدور اصوات موسيقية
وتصفيق وضحكات عالية وهو ما يعتاده موظفو السفارة في
يومي العطلة الرسمية السبت والجمعة.
وقال ان هذه العمارة الوحيدة التي لا يوجد بواب عليها
ومحاطة بضباط الامن فقط.
صعدنا الي الدور التالي فوجدنا سيدة تصعد في الاسانسير
فحاولنا الحديث معها ولكنها تحفظت وبعد ان شرحنا لها
مهمتنا، قالت اننا نعلم جميعا ان السفير الاسرائىلي
يقوم حاليا بتوسيع مقر السفارة في القاهرة بحجة ان
تستوعب المزيد من الدبلوماسيين والموظفين، بعد تعيين
مستشار اقتصادي للسفارة لتقوية علاقات البلدين خاصة في
ظل اتفاقية «الكويز».
وان السفير الاسرائيلي كان يريد احضار «بلاط» من
اسرائيل لتجديد مقرها ولكن السلطات المصرية رفضت فاضطر
لشرائه من مصر ونحن لا نعلم كيف سيتم التعامل معنا
ونحن السكان الاصليين بالعمارة منذ انشائها بالاضافة
الي حالة المراقبة والتشديدات الامنية التي يعيشها ليل
نهار.
واضافت ان العلاقة بين السكان والسفارة عبارة عن شد
وجذب فالشارع الموجود به السفارة منذ قديم الازل وهو
معروف بشارع انس بن مالك ولكن المسئولون بالسفارة
ارادوا ان يغيروا اسمه ليسمي باسم يهودي او بشارع
السفارة الاسرائيلية، ولكن الاهالي احتجوا واطلقوا
عليه اسم شارع «محمد الدرة» استقر الوضع علي ما هو
عليه باسم الشارع الاصلى «انس بن مالك».
واضافت ان السفارة عمرها حوالي عشر سنوات فكيف تفرض
كلمتها علي مؤسسي المكان الاصليون، كما ان السفير
الاسرائىلي لا يأتي الا لدقائق معدودة كل يوم ويكمل
يومه في مسكنه بالمعادي.
ولم نستطع ان نتحدث الي آخرين اما لرفضهم او لخوفنا من
فضح امرنا امام الجهات الامنية تركنا العمارة ونزلنا
الي الشارع وكنا قد انهينا المهمة الصعبة في هذا
الموقع الحساس بعد ان رصدنا وقائع هذا اليوم من
العاشرة صباحا حتي الثالثة عصرا.
|